: آخر تحديث

العرب أو النظام السوري: مَن عاد إلى مَن؟

27
26
31
مواضيع ذات صلة

بعيدا عن الغوص في السجال الحاصل اليوم بين من يقول إن سوريا عادت الى "الحضن العربي" ومن يقول إن "العرب عادوا الى سوريا، يجب النظر الى ما حصل في قمة جدة العربية في ما يتعلق بالملف السوري كتحول يتجاوز سوريا ونظامها الى ما هو أبعد، ويتعلق بولادة شرق أوسط مختلف عما سبق. فالنفوذ الأميركي الذي أفرد أجنحته بشكل شبه مطلق في الإقليم منذ أن خرجت مصر من تحت مظلة الاتحاد السوفياتي السابق عام 1974، تغيّر.
 
ومع سقوط الأخير عام 1991، وإخراج عراق صدام حسين من الكويت بالقوة تحققت الهيمنة الأميركية المطلقة على الشرق الأوسط، و لم يبق سوى النظام السوري خارجه بشكل جزئي.
 
هذا الواقع الإقليمي يشرف على تغييرات كبيرة بدأت من الناحية العملية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي اعلن منذ وصوله الى البيت الأبيض عام 2009 عن تحول الاهتمام الأميركي نحو التنافس مع الصين في منطقة الشرق الآسيوي. وتأكد التوجه الأميركي لغاية انتهاء ولايته عام 2017، مع تراجع أوباما عن الخط الأحمر الذي كان رسمه لنظام بشار الأسد بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية، ثم تواطئه مع موسكو وإيران ضمنا بتركه الساحة السورية مفتوحة أمام موسكو للتدخل لإنقاذ النظام من السقوط الذي كان بدا في تلك الفترة محتوما.
 
فقد ترك الاميركيون المنطقة بدءا من التفاوض على مغادرة العراق، ثم بالعودة الجزئية لمواجهة تنظيم "داعش" فيه وفي سوريا. لكن سوريا تركت للايرانيين ولروسيا حسم الحرب بكلفة مدنية مهولة، حيث قتل مئات الآلاف بماكينة القتل الروسية والإيرانية، ودمرت مئات القرى و البلدات الى جانب تدمير أجزاء واسعة من احياء المدن التي ثارت على النظام.
 
هذا في الجانب المتعلق بسوريا. ولكن بالجانب الاوسع يمكن القول إن منطقة الخليج بدأت تخرج رويداً رويداً من تحت كنف الاميركيين الذين شكلوا مظلة المنطقة الأمنية على مدى عقود يوم بدأ الرئيس باراك أوباما بالتفاوض مع الإيرانيين على الاتفاق النووي الذي وقع في تموز (يوليو) 2015، من دون ان يراعي الهواجس التي كانت تهم دول الإقليم المواجهة للخطر الإيراني المباشر.
 
فقد تجاهلت واشنطن ومعها الدول الاوروبية الشريكة في الاتفاق ثلاث مسائل رئيسية: أولا قضية التدخلات الايرانية في الإقليم و الاعتداءات المتكررة على حلفاء اميركا والغرب عموما، وثانياً الضمانات الكافية للإقليم بأن لا يكون الاتفاق غطاء لتقبل فكرة تحول ايران الى دولة نووية عدوانية على تماس مع الدول العربية، وثالثاً، قضية الميليشيات الطائفية التي رعتها و نمتها طهران داخل العديد من الدول العربية، من العراق الى اليمن مروراً بسوريا و لبنان.
 
في الاثناء استهدفت طهران بشكل مباشر منشآت النفط السعودية "أرامكو" في أيلول (سبتمبر) 2019 (في عهد الرئيس دونالد ترامب)، واكتفت واشنطن بالتنديد دون الرد وفقاً للاتفاقات الأمنية لحماية السعودية ودول الخليج التي يصدر منها جزء كبير من النفط الى الأسواق العالمية.
 
فهمت الدول الخليجية جراء ذلك ان لا بد من التفكير بأسلوب جديد ومقاربة مختلفة عما سبق.  وأتى الرئيس جو بايدن في العام 2021  ليعمق الفجوة من خلال قيامه برفع ميليشيات الحوثيين عن لوائح الإرهاب الأميركية، والهرولة نحو طهران لاحياء الاتفاق النووي السيئ، و في الوقت عينه لم يتأخر عن التضييق على السعودية، وحتى على دولة الامارات التي لم يصلها من واشنطن يوم استهدفت عاصمتها في كانون الثاني (يناير) 2022 بالصواريخ والمسيرات سوى بيانات التنديد والتضامن اللفظي.
 
ولا ننسى أشهرا طويلة من تجاهل واشنطن المتعمد لمئات الاعتداءات الإيرانية بواسطة الحوثيين على منشآت، و مناطق مدنية في الداخل السعودي.
 
بشكل عام ومن دون الغرق في التفاصيل، هذا هو مسار التحول أكان في سوريا او الإقليم عموماً. من هنا فإن عودة النظام الى الجامعة العربية هي إقرار من دول المركز العربي بأن سياسة التغيير في سوريا فشلت ليس بسبب قوة النظام، وهو مهترئ و متحلل، بل بسبب التواطؤ بين روسيا وايران واميركا للإبقاء على نظام الأسد، وان قتل مئات الآلاف من أبناء الشعب.
 
والاحتجاجات الأميركية والغربية بقيت لفظية، وستبقى لفظية لان القرار بإسقاط النظام لم ولن يتخذ في المدى المنظور. وأميركا ليست مأمونة الجانب في هذا الملف وغيره من الملفات الإقليمية.
 
اما للإجابة عن السؤال: من عاد الى من النظام او العرب؟ فالمنطق يقول لا هذا و لا ذاك. لان الازمة ستبقى مفتوحة لمدة طويلة مما يمنح "رجل المنطقة المريض" عمراً مستقطعاً كنظام مريض ليس اكثر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد