المعضلة التي تواجهها الدول الأوروبية مع الصين، هي أن هذه الدول في حاجة إلى زيادة التعاون الاقتصادي مع بكين، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الذهاب بعيداً في خطوات تغضب الولايات المتحدة. لهذا يلجأ القادة الأوروبيون إلى الموازنة بين طموحاتهم الاقتصادية وخطابهم السياسي.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يشذ عن القاعدة، علماً أنه كان الأكثر تقبلاً لمبادرة الصين للحوار في أوكرانيا. والمبادرة كانت الموضوع الأساسي في المحادثات بين ماكرون والرئيس شي جينبينغ.
ماكرون الذي يقوم بزيارة دولة للصين للمرة الأولى منذ 2019، يصطحب معه 50 رئيس شركة فرنسية. وهذا كافٍ للتدليل على حجم الرهان الفرنسي على تحقيق قفزة في التعاون الاقتصادي مع الصين، في توقيت يبدو فيه الرجل في مسيس الحاجة إلى إعطاء الاقتصاد الفرنسي دفعة أمام ما يواجهه في الداخل من احتجاجات عاصفة، على قراره رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً.
ويسعى ماكرون إلى دور متمايز عن بقية نظرائه الأوروبيين حيال المساعي الصينية لإيجاد تسوية سياسية للنزاع الأوكراني. وكان الرئيس الفرنسي عرض نفسه في بداية الحرب للكثير من الانتقادات بسبب دعواته المتكررة إلى ضرورة عدم قطع خيط الحوار نهائياً مع موسكو، وواظب على الاتصال هاتفياً ببوتين بين الفينة والأخرى، إلى أن توقفت الاتصالات في الأشهر الأخيرة مع تصعيد حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي عملية تسليح أوكرانيا وإمدادها بالمساعدات المالية.
القادة الأوروبيون يحذون حذو المسؤولين الأوروبيين في إطلاق التحذيرات للصين من مغبة إرسال الأسلحة إلى روسيا، ويأخذون على شي جينبينغ توطيد الشراكة اللامحدودة مع بوتين. ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، هو أحد أكثر القادة الأوروبيين انتقاداً للمواقف الصينية، ويأتي في المرتبة الثانية زعماء أوروبا الشرقية ودول البلطيق. والأكثر تشدداً هو الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ الذي لا يتعامل مع بكين إلا بلغة التحذير، بينما يسعى الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إلى تغليف تحذيراته بلغة أكثر دبلوماسية. أما المستشار الألماني أولاف شولتس فيلتزم موقفاً أكثر حذراً في توجيه اللوم إلى بكين، في حين أن ماكرون كان الأقل انتقاداً.
من المؤكد أن مباحثات ماكرون في بكين، قد تعزز ميله إلى ضرورة عدم التخلي عن الخيار الدبلوماسي في النزاع الأوكراني، رغم أن فرنسا أرسلت مثلها مثل بقية معظم دول الاتحاد الأوروبي، أسلحة متقدمة لأوكرانيا، وخصوصاً مدفعية "قيصر" الحديثة إلى جانب أنظمة مضادة للدروع وعربات قتالية.
وإلى جانب المكاسب الاقتصادية التي يسعى إليها ماكرون من وراء زيارته الصين، على غرار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي زار بكين الأسبوع الماضي وأولاف شولتس الذي زارها أوائل العام، يأمل الرئيس الفرنسي بأن تفتح الزيارة نافذة أمل ولو كانت مواربة، أمام الجهود السياسية وأن لا يبقى حديث التصعيد العسكري هو اللغة السائدة.
إن ماكرون الساعي إلى التمايز أوروبياً والذي لا يريد أن يتماهى مع الموقف الأميركي على غرار قادة بريطانيا ودول أوروبا الشرقية ودول البلطيق، هو أكثر تناغماً مع الموقف الصيني الذي كان من البداية ينادي بالحوار، ويدعو الأوروبيين إلى تفهم الهواجس الأمنية التي حملت روسيا على شن الحرب، وفي مقدمها الزحف الأطلسي شرقاً.
واشنطن تحتفي اليوم بانضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي باعتباره تسفيهاً لكل مبررات شن الحرب. أما الحقيقة التي يتجنب المسؤولون الأميركيون قولها، فهي أن ضم فنلندا، أضاف سبباً آخر لروسيا كي تشعر بأن توسيع الأطلسي يستهدفها من دون غيرها، وأن شن الحرب كان مبرراً.
الصين هنا هي أقرب إلى فهم بواعث القلق الروسي، لكن الولايات المتحدة تعتبر أن دوافع بكين لطرح مبادراتها هي دوافع محض جيوسياسية، في وقت تتصاعد حدة التنافس بين أكبر عملاقين اقتصاديين في العالم.
ماكرون يطلب السلام... ولو في الصين
مواضيع ذات صلة

