: آخر تحديث

تركيا وتحولات المشهد الإقليمي

15
13
17
مواضيع ذات صلة

يبدو أن المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط أضحى مؤهلاً لحدوث تحولات جذرية في أنماط علاقاته منذ نجاح الاختراق الذي استطاعت الصين تحقيقه في الملف شديد التعقيد والمفعم بالتوتر بين السعودية وإيران. قمة الرئيس السوري بشار الأسد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو أحيت الأمل في إمكانية تحقيق اختراق في الأزمة السورية- التركية، حيث ترددت أنباء تقول إن هذه القمة، التي جاءت على حساب لقاء كان منتظراً بين مساعدي وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا وسوريا، يومي 15 و16 مارس/ آذار الجاري، للغرض ذاته، ستركز على تحقيق مثل هذا الاختراق في العلاقات التركية – السورية لينفتح الأمل أمام إحياء فرص لإحداث اختراقات مشابهة في كل من العلاقات المصرية - التركية، وربما أيضاً العلاقات المصرية – الإيرانية.

 لكن يبدو أن مثل هذه الفرص مازالت في حاجة إلى حوافز جديدة ومتواصلة، لكن تطورات أحداث وفعاليات الانتخابات الرئاسية والتشريعية التركية التي ستجرى يوم 14 مايو/ أيار المقبل في مقدورها أن تحدث تحولاً شديد الأهمية في المشهد الإقليمي يمكن أن يحقق ما عجزت عن تحقيقه مبادرات وجهود تحسين العلاقات التركية مع كل من سوريا ومصر، إذا ما وقع الزلزال السياسي الذي يرجحه الكثيرون بنجاح مرشح المعارضة التركية (طاولة الستة) كمال كليتشدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري في إزاحة الرئيس رجب طيب أردوغان من موقع الرئاسة الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية منذ فوزه بالانتخابات التشريعية عام 2002. فالصراع الراهن بين أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) وتحالف المعارضة القوي لم يعد مجرد صراع على السلطة فقط، بل أضحى صراعاً حول المشروع السياسي التركي وهوية هذا المشروع، أو أضحى «صراعاً على التاريخ والهوية» على نحو ما ورد في مقدمة كتاب «تركيا الأمة الغاضبة» لصاحبه الباحث الاستراتيجي التركي كرم أوكتم. فالمشروع السياسي الإسلامي لحزب العدالة والتنمية بات معرضاً للانزواء أمام المشروع «العلماني» لأحزاب المعارضة ولشخص مرشحها الرئاسي، كما أن الدور الإقليمي التركي سيكون معرضاً هو الآخر للتغيير في حال فوز كليتشدار بالرئاسة خاصة العلاقات التركية المأزومة مع سوريا بسبب الوجود العسكري التركي على الأراضي السورية ودعم الجماعات المسلحة المتطرفة.

 فقد سبق أن تعهدت أحزاب المعارضة التركية، في رسالة للرئيس السوري بشار الأسد، بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وقطع كل العلاقات مع المعارضة السورية والإسلام السياسي، ودفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن التدخل العسكري التركي، والمساهمة بسخاء في عملية إعادة الإعمار.

 هناك ثلاثة أسباب مهمة ترجح احتمال فوز مرشح المعارضة التركية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أول هذه الأسباب نجاح تحالف أحزاب «طاولة الستة» في التوحد على مرشح رئاسي واحد وامتلاك مشروع سياسي- اقتصادي شديد الإغراء للناخب التركي. ثاني هذه الأسباب تعويل المعارضة على الفشل الاقتصادي غير المسبوق لحكم الرئيس أردوغان كما تعبر عنه الارتفاعات المتلاحقة في معدلات التضخم والانهيارات المتتالية في العملة الوطنية، والتعويل على تراجع مكانة حزب العدالة والتنمية لدى الناخبين الأتراك. وجاءت فاجعة زلزال السادس من فبراير/ شباط الماضي لتفاقم الأزمة الاجتماعية – السياسية في وجه أردوغان، ليس فقط بسبب الفشل الذريع للحكومة في القيام بواجباتها وأدوارها نحو هذا الحدث المفجع ولكن أيضاً بسبب ما جرى تسريبه وتأكيده من معلومات عن الفساد الهائل في أركان رجالات الحكم في تعاملهم مع هذه الفاجعة الأمر الذي أجبر أردوغان على الاعتذار للشعب التركي ومطالبته بأن يسامحه الشعب وحكومته على أي قصور، ما دفع زعماء المعارضة إلى استغلال الفرصة للنيل منه على نحو ما فعلت ميرال كشينار زعيمة «حزب الجيد» (عضو تحالف طاولة الستة المعارض) قائلة «بأي وجه تطلب السماح؟.. كفى.. تريد السماح من أهل الضحايا بلا خجل.. لا يمكنك ذلك».

 أما السبب الثالث فهو فشل تعويل أردوغان على تحقيق اختراق مهم في السياسة الخارجية بترتيب موعد للقاء الرئيس السوري بشار الأسد قبل الانتخابات لتوظيف هذا الاختراق وتسويقه لدى الناخب التركي، خصوصاً احتواء الزخم الذي حققته المعارضة في هذا الملف وبالتحديد ملف اللاجئين السوريين الذين يمثلون ورقة ضغط قوية في يد المعارضة ضد أردوغان. الرئيس السوري أفشل هذه المحاولة في قمته مع الرئيس الروسي عندما اشترط على أردوغان القبول بالمطالب السورية خاصة وضع جدول زمني محدد للانسحاب من الأراضي السورية للقبول بهذه القمة.

 ثلاثة أسباب ترجح احتمال فوز المعارضة التركية، الأمر الذي يمكن أن يفتح مجالاً لتحول جديد في المشهد الإقليمي على نحو ما يتوقعه الكثيرون.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.