: آخر تحديث

ليست علّة «تراس»

16
19
16
مواضيع ذات صلة

في أغنية ساخرة، قديمة، لزياد الرحباني من النظام السياسي في بلده، لبنان، ترد عبارة «يبدو أن العلة في النظام»، وهي عبارة تعكس يأساً من إمكانية خروج لبنان من أزمته في ظل نظام المحاصصة الطائفية المعمول به. وتخطر هذه العبارة عند النظر إلى ما يجري في بريطانيا اليوم، وهي البلد المحوري في أوروبا، لا بل وفي العالم أيضاً، على الأقل في حقب تاريخية سابقة، حيث اضطرت رئيسة الحكومة ليز تراس للاستقالة من منصبها بعد 44 يوماً فقط من تسلمها إياه.

سيقول قائلون: لا يصح مقارنة «العلّة» اللبنانية التي عناها الرحباني بالوضع في بريطانيا، وحجتهم في ذلك أن «الديمقراطية الليبرالية» المعمول بها هناك بها من الأدوات والوسائل ما يجعلها قادرة على تخطي الأزمة، ومواصلة المسيرة، وما استقالة تراس إلا وجهاً من وجوه هذه الديمقراطية.

ولن نجادل في هذا كثيراً، فالمؤكد أن الرأسمالية الغربية لديها خبرة متراكمة في التغلب على ما يعتري الأداء السياسي من تعثرات، وهي ليست معنية بتقديس الزعماء الذين يمكن التضحية بهم واستبدالهم بآخرين لبلوغ الهدف، لكن، وفي المقابل، ما من نظام سياسي بمنجاة من الانعطافات الحادة التي قد تكون نذراً لوضع مأزوم ينذر بالأسوأ. هذا درس التاريخ قبل أن يكون نبوءة المستقبل.

ربما يبدو كثيراً وصف تراس ب«الزعيمة»، فهي ليست تشرشل ولا تاتشر، ولكنها على كل حال أصبحت، ولو لأسابيع، رئيسة للحكومة، خلفاً لجونسون رئيس الحكومة السابق المثير للجدل، والذي يبدو أنه يهيئ نفسه للعودة ثانية لـ «10 دواننغ ستريت»، بدعم من قوى نافذة في حزب المحافظين. وعودته المحتملة لن تكون عنوان تخطي الأزمة، وإنما إعادة تدويرها، فالأزمة أكبر من الزعامات؛ إنها تتصل بوضع مسدود الأفق يعاني فيه الاقتصاد ركوداص تؤكده توقعات متشائمة للبنك المركزي البريطاني بأنه قد يستمر لنهاية سنة 2023.

يكابر الزعماء المحافظون في بريطانيا ونظراؤهم في بلدان أوروبية أخرى في الإقرار بأن ما باتت فيه بلدانهم اليوم هو، في جوهره، مجرد بداية لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتي يدفع أثمانها المواطنون الأوروبيون الغاضبون من سياسات حكوماتهم في الانصياع للضغوط الأميركية، التي تريد لحرب أوكرانيا أن تستمر أطول ما يمكن، في نوع من المقامرة السياسية الغبية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد