: آخر تحديث
قرون من المعاناة باسم الجمال

من الرصاص إلى البوتوكس.. لماذا لا تكفّ النساء عن محاولة تغيير وجوههن؟

3
4
3

إيلاف من لندن: من الوجوه الشاحبة المطلية بالرصاص والحواجب المرسومة، إلى نحت الملامح وإطالة الرموش واختيار درجة أحمر الشفاه المثالية، تسعى النساء منذ قرون إلى بلوغ ذلك المثال المراوغ للجمال. تتغير الصيحات، وتتطور المستحضرات، لكن الغاية تبدو ثابتة على نحو لافت. لماذا؟

لنبدأ باعتراف صغير: معظمنا نظر، في مرحلة ما من حياته، إلى المرآة وتمنى لو كان أنفه أصغر قليلًا، وخصره أنحف، وشفاهه أكثر امتلاءً، وعيناه أكبر حجمًا...

ولو أمكننا فعل شيء حيال ذلك الوجه المزعج الذي نراه كل صباح!

لقد وطئت البشرية سطح القمر، وفكّت شيفرة الجينوم البشري، وطوّرت الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تزال ملايين النساء يقفن أمام المرآة كل صباح، مسلّحات بالفرش والأقلام والكريمات وترسانة صغيرة من مستحضرات التجميل، محاولات إقناع وجوههن بأن تصبح أقرب قليلًا إلى تلك الوجوه التي يتخيلنها في أذهانهن.

يبدو أن الجمال لا يكتمل أبدًا.

لقد اتبعنا الحميات الغذائية، وجوّعنا أنفسنا، وشددنا الخصور بالمشدّات، ونتفنا الشعر، وتفنّنا في الطلاء والتغطية والتفتيح والتسمير والحقن والجراحات. وضغطنا أجسادنا داخل ملابس تضيّق أنفاسنا، وانتعلنا أحذية تهدد قدرتنا على المشي، وأنفقنا ثروات على منتجات تعدنا بعكس الشيء الوحيد الذي لا ينجو منه أي كائن حي: التقدم في العمر.

كل ذلك باسم الجمال.

لكن السؤال المثير حقًا هو: ما الذي نحاول تحقيقه بالضبط حين نسعى إلى أن نبدو جميلات؟ ولماذا اقتضى هذا السعي، في أحيان كثيرة، أن نُخضع أنفسنا لمعاناة حقيقية؟

إن تاريخ الجمال، من جوانب عديدة، هو تاريخ محاولات النساء التوافق مع توقعات عصرهن. وبعض تلك التوقعات كان صادمًا بحق.

من الوجوه الشاحبة إلى وهم الجمال الطبيعي
لنبدأ بمصر القديمة. فقد كان الرجال والنساء على حد سواء يحددون أعينهم بالكحل، ليمنحوها مظهرًا ممدودًا دراميًا قد يذكّرنا اليوم بنجاح أحد دروس المكياج الدخاني. لكن مستحضرات التجميل لم تكن تُستخدم للزينة وحدها؛ إذ ارتبطت أيضًا بدلالات دينية واجتماعية واعتُقد أن لها خصائص وقائية. ويبدو أن المصريين القدماء أدركوا مبكرًا قوة العين حين تُحدّد بعناية.

ثم ظهرت موضة البشرة الشاحبة في أجزاء من أوروبا، حيث كان اللون الأبيض يوحي بالثراء والحياة المترفة بعيدًا عن العمل تحت أشعة الشمس. وخلال عصر النهضة والقرون اللاحقة، استخدمت بعض النساء مستحضرات تحتوي على الرصاص للحصول على ذلك المظهر الخزفي المرغوب. لكن الرصاص مادة سامة، وقد تسبب في أضرار خطيرة للبشرة والصحة.

يبدو أن الجمال لم تكن تربطه، في تلك الأيام، علاقة جيدة بمعايير السلامة المهنية!

وبحلول العصر الفيكتوري، أصبحت المرأة المحترمة مطالبة بأن تبدو جميلة بصورة طبيعية. يا لها من معادلة بارعة: مستحضرات التجميل موضع استهجان، لكن المرأة مطالبة في الوقت نفسه ببشرة متوهجة وخدود وردية وعينين لامعتين. كان المطلوب أن تبدو وكأنها لم تفعل شيئًا على الإطلاق للحصول على هذه النتيجة.

وهي حيلة لا تزال رائجة حتى اليوم.

فقد طوّرت صناعة التجميل الحديثة هذا الوهم ببراعة، وقدّمت لنا ما يُعرف بإطلالة «من دون مكياج، باستخدام المكياج». وقد تتطلب هذه الإطلالة قاعدة تمهيدية للبشرة، وكريم أساس، وخافي عيوب، ومصححًا للألوان، وبرونزر، وأحمر خدود، ومُضيئًا، وجلًا للحواجب، وماسكارا، وثلاث فرش مختلفة.

لا شيء يستدعي الانتباه هنا؛ إنها مجرد بشرة طبيعية مثالية!

ومن أكثر جوانب الجمال إثارة للاهتمام أنه لا يخضع لتعريف واحد ثابت أو عالمي.

ففي أماكن وأزمنة مختلفة، ارتبط الجمال بالبشرة البيضاء أو السمراء المكتسبة من الشمس، بالجسد الممتلئ أو النحيل، بالخصر شديد الصغر أو القوام الأكثر امتلاءً، بالزينة المفرطة أو البساطة المتقشفة.

في اليابان، تبلورت إطلالة الغيشا التقليدية حول وجه مطلي بالأبيض، وعينين محددتين، وشفاه حمراء. وفي الهند، احتل الكحل والشفاه الغنية بالألوان والزينة التفصيلية للعروس مكانة راسخة في تقاليد الجمال. أما في ثقافات أفريقية متعددة، فقد عبّرت زخارف الجسد وتسريحات الشعر والمجوهرات والوشوم الندبية وغيرها من أشكال التزيّن عن الهوية والمكانة والانتماء المجتمعي والجمال، بطرق لا يمكن اختزالها في التصورات الغربية للمظهر.

واليوم، تتجاور ثقافة العناية بالبشرة والمكياج المصقول في كوريا الجنوبية مع المظهر البرونزي المنحوت الشائع في أجزاء من الغرب. وبينما قد تقضي امرأة ساعة كاملة للحصول على إشراقة توحي بأنها أمضت يومًا تحت الشمس، قد تنفق أخرى الوقت نفسه في محاولة إزالة كل أثر لها.

نحن، بوصفنا بشرًا، كائنات متناقضة على نحو مدهش!

ومع ذلك، يجمع هذه الاختلافات خيط مشترك: يستخدم الناس مظهرهم للتعبير عن هويتهم، وعن الصورة التي يتمنون أن يكونوا عليها، وعن الطريقة التي يريدون أن يراهم بها الآخرون.

فالجمال تجربة شخصية، لكنه اجتماعي أيضًا. نتعلم ما يُعد مرغوبًا فيه من أسرنا ومجتمعاتنا وأفلامنا وعالم الموضة والإعلانات، وبصورة متزايدة، من الشاشات الصغيرة التي نحملها معنا طوال اليوم.

لقد منحتنا هذه الشاشات شيئًا لم يكن أسلافنا ليتخيلوه: إمدادًا لا ينتهي من الوجوه التي تبدو مثالية، نقيس وجوهنا عليها. ومن الصعب بعض الشيء أن تشعري بأنك في قمة الجمال، حين تتضمن جولة التصفح الصباحية سبعًا وأربعين وجنة منحوتة قبل الإفطار!

لماذا نضع المكياج؟ بين التعبير عن الذات والسعي إلى الكمال
لماذا ظلال العيون؟ ولماذا أحمر الشفاه والماسكارا والكحل وأحمر الخدود، وكل تلك العلب الصغيرة التي قد لا يستطيع تمييز أغراضها أحيانًا سوى الشخص الذي اشتراها؟

الإجابة عملية ونفسية في آن، وتنطوي أيضًا على قدر كبير من براعة الإنسان في الابتكار.

فالمكياج قادر على إبراز الملامح وإخفائها وتغييرها وتزيينها، كما يستطيع أن يكون وسيلة للتواصل والتعبير.

تضيف ظلال العيون اللون والعمق، ويمكن للكحل أن يجعل العينين تبدوان أكبر أو أكثر استطالة أو درامية. وتمنح الماسكارا الرموش لونًا وكثافة، فيما يجذب أحمر الشفاه الانتباه إلى الفم، ويضفي أحمر الخدود إيحاءً بالصحة والحيوية. أما كريم الأساس وخافي العيوب، فيساعدان على توحيد مظهر البشرة.

بمعنى آخر، تتيح لنا مستحضرات التجميل التلاعب بالملامح التي تستحوذ على الانتباه.

لكن المسألة المثيرة ليست ما تفعله هذه المنتجات، بل ما نريد منها أن تفعله. هل نسعى إلى إبراز ملامحنا الطبيعية؟ أم تصحيح ما نراه عيوبًا؟ أم إخفاء التعب؟ أم استعادة مظهر أكثر شبابًا؟ أم التعبير عن شخصيتنا؟ أم أننا ببساطة نستمتع بالتحوّل الذي تمنحنا إياه؟

قد تعلن لمسة من ظلال العيون الزرقاء: «أشعر اليوم برغبة في المغامرة». وقد يوحي الكحل الأسود الحاد بالثقة أو الجاذبية أو الاستعداد لمواجهة العالم. أما أحمر الشفاه القاني، فقد يبدو أحيانًا بمثابة إعلان صغير عن الاستقلال.

وأحيانًا، بالطبع، نضع أحمر الشفاه لأننا اشتريناه بالأمس، ونريد أن نبرر لأنفسنا ثمنه!

وثمة جانب مسرحي ممتع في المكياج أيضًا. فهو يمنحنا فرصة التحول إلى نسخة مختلفة قليلًا من أنفسنا. قد تصبح المرأة الهادئة نجمة فاتنة، أو تتحول الأم المنهكة إلى امرأة مهنية متألقة، أو تخرج امرأة أمضت الصباح في التعامل مع أنابيب متسربة وأقارب صعبي المراس من الحمام وكأنها تستعد لحفل كوكتيل.

قد لا يغيّر هذا التحول ظروف حياتها، لكنه قادر على تغيير شعورها تجاه مواجهتها.

يقال لنا إن علينا الاحتفاء بجمالنا الطبيعي، بينما تُعرض علينا آلاف المنتجات لتعديله. «أحبّي نفسك»، تقول الإعلانات، ثم تقدم لك كريمًا لتحسين كل شيء فيك. «احتفلي بتفرّدك»، لكنها تفضّل أن تفعلي ذلك بالشفاه الممتلئة نفسها، وعظام الوجنتين المنحوتة نفسها، والحواجب المصقولة التي تتصدر صيحات وسائل التواصل الاجتماعي!

ومع ذلك، فإن للتزيّن متعة حقيقية. ثمة فن في دمج ظلال العيون بإتقان، وثقة يمنحها أحمر الشفاه المفضل، وفرح في ارتداء الملابس الأنيقة لمجرد أن المناسبة تستدعي ذلك، أو حتى لأنها لا تستدعيه أصلًا.

قد يكون المكياج لعبًا، أو طقسًا شخصيًا، أو تعبيرًا عن الذات، أو صلة بالتقاليد الثقافية. وقد يكون وسيلة للاحتفاء بمناسبة، أو الاستعداد لبداية جديدة، أو استعادة بعض الوقت لأنفسنا.

تشعر بعض النساء بأنهن أكثر انسجامًا مع أنفسهن بوجوه خالية من المكياج، بينما لا يشعر بعضهن الآخر بذلك إلا مع كحل درامي وأحمر شفاه قادر على إيقاف حركة المرور! ولا تجعل إحدى الطريقتين صاحبتها أكثر صدقًا مع ذاتها من الأخرى.

ليس المطلوب إذن أن نتخلى عن مستحضرات التجميل، أو نتوقف عن الاهتمام بمظهرنا، أو نتظاهر بأن الجمال لا قيمة له. المطلوب أن ندرك أن الجمال ينبغي أن يكون مصدر متعة، لا معيارًا نعاقب أنفسنا باستمرار لأننا لم نبلغه.

لعل الرفاهية الحقيقية تكمن في امتلاك حرية الاختيار.

أن تضعي ظلال العيون لأنها تجعل عينيك أكثر إشراقًا، لا لأنك تعتقدين أن وجهك غير مقبول من دونها. وأن تلوّني شفتيك لأنك تحبين الدرجة المختارة، لا لأنك ترين شفتيك الطبيعيتين ناقصتين بطريقة ما. وأن تعتني بجسدك لأنه يحملُك عبر الحياة، لا أن تعامليه كخصم عليك إخضاعه.

وأن تنظري إلى المرآة في صباح عادي، فترَي بعض التجاعيد أو بثرة أو شعرة رمادية أو ملامح متعبة، ثم تقرري أن أيًا من ذلك لا يستدعي إعلان حالة طوارئ.

الجمال الذي لا تستطيع المرآة قياسه
ربما يتشكل الجمال من مزيج من العوامل البيولوجية والثقافية، ومن اختراع بشري بالغ النجاح أيضًا. فهو يتأثر بالزمان والمكان اللذين نعيش فيهما، وبالأشخاص الذين تهمنا آراؤهم، وبالصور التي نستهلكها يوميًا. وقد يتجلى في الوجه أو القوام أو تسريحة الشعر أو قطعة مجوهرات أو حتى في الطريقة التي نحمل بها أجسادنا.

لكنه يظل أكثر مراوغة من أن يُختزل في أي من هذه العناصر.

لقد التقينا جميعًا أشخاصًا يتمتعون بجمال يتوافق مع المعايير الشائعة، لكنهم لا يتركون أثرًا يُذكر، كما التقينا آخرين لم يكن مظهرهم لافتًا للوهلة الأولى، ثم ازدادوا جاذبية كلما عرفناهم أكثر. فالذكاء واللطف والدفء وخفة الظل والثقة بالنفس، كلها قادرة على تغيير الطريقة التي نرى بها الإنسان.

قد يلفت الوجه انتباهنا، لكن الشخصية هي التي تستطيع الاحتفاظ به.

وربما لهذا السبب لا تنتهي رحلة البحث عن الجمال المطلق. فنحن نحاول بلوغ شيء لا يمكن اختزاله في قياس محدد للخصر، أو درجة من أحمر الشفاه، أو شكل للحاجبين، أو بشرة خالية من التجاعيد.

سيظل هناك دائمًا منتج جديد، وموضة جديدة، ووجه يُقدَّم إلينا بوصفه المثال الكامل، ووعد آخر بأننا اكتشفنا السر أخيرًا.

لكن تأملي المفارقة المدهشة في كل ذلك.

لقد أمضت النساء قرونًا في مطاردة معايير للجمال تتناقض فيما بينها، عبر البلدان والثقافات، ومن خلال صيحات تظهر ثم تختفي. وتحملن الألم والنفقات، وأحيانًا مخاطر حقيقية، للحصول على مظهر قد يراه جيل لاحق قديمًا إلى حد السخرية.

تتحول البشرة الشاحبة إلى بشرة مسمّرة، والقوام الممتلئ إلى قوام نحيل، والحواجب الرفيعة إلى أخرى كثيفة. وفي مكان ما، داخل حمام يشبه حماماتنا، تقف امرأة أخرى أمام المرآة وتتساءل عما إذا كان ينبغي لها تغيير شيء في وجهها.

ربما لن نتخلص تمامًا من رغبتنا في الظهور بأفضل صورة، وليس من الضروري أن نرغب في ذلك أصلًا. فثمة متعة في أن نبدو جميلات، ولا خطأ في الرغبة في الجمال.

لكن ربما حان الوقت لنسأل: من يملك حق تحديد الصورة التي ينبغي أن نبدو عليها في أفضل حالاتنا؟

فأخيرًا، يُغسل ظلال العيون، ويتلاشى أحمر الشفاه، وتتغير الموضة. أما الوجه الذي بذلنا كل ذلك الجهد لإتقانه، فهو الوجه نفسه الذي ضحك مع أصدقائنا، وقبّل أطفالنا، وتحمل خيباتنا، ورافقنا عبر أيام الحياة العادية والاستثنائية جميعها.

وهذا الوجه يستحق قدرًا أكبر من اللطف.

لذا، ضعي الماسكارا إن شئتِ، واختاري أحمر الشفاه الجريء، وامزجي ظلال العيون حتى تبلغ الكمال الذي تريدينه. أو لا تفعلي شيئًا من ذلك.

لكن تذكّري أن المرأة التي تنظر إليك من المرآة ليست مشكلة تحتاج إلى حل.

وإذا كان الجمال حقًا في عين الناظر، فربما يكون أكثر علاجات التجميل ثورية على الإطلاق هو أن نغيّر عين الناظر نفسها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في لايف ستايل