إيلاف من الجونة: قبل أن تواجه بطلة الفيلم امتحان شباك التذاكر، قد تواجه معركة لإقناع منتج بالمغامرة، ثم أخرى مع جمهور يحاكمها على أفعال الشخصية التي تؤديها. بين هذين الضغطين، فتحت يسرا وليلى علوي والمخرجة مريم أبو عوف نقاشاً حول فرص البطولة النسائية، في ندوة تجاوزت حساب الإيرادات إلى حرية الاختيار وحدود الجرأة على الشاشة.
وجمعت ندوة «البطولة النسائية في ميزان شباك التذاكر»، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، تجارب في التمثيل والإخراج والإنتاج، وأثرتها مداخلات إلهام شاهين وإيناس الدغيدي. ومن شهادات المشاركات، برزت أسئلة عن استعداد المنتجين لتمويل حكايات مختلفة، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي في اختيارات الفنانات، والمساحة المتاحة لطرح قضايا خلافية.

يسرا: الإيرادات لا تختصر النجومية
رفضت يسرا اختزال مكانة الفنان في حصيلة أفلامه التجارية، معتبرة أن الاستمرار يرتبط أيضًا بوعيه واختياراته وقدرته على التأثير. وقالت: «النجومية مش شباك تذاكر بس»، موضحة أن الاعتماد على هذا المعيار وحده لم يكن ليضمن بقاءها طوال هذه السنوات.
واستعادت مرحلة من بداياتها شاركت خلالها في نحو 25 فيلمًا بقيت، بحسب روايتها، حبيسة العلب لأربع سنوات، قبل أن تُطرح من دون تحقيق النجاح المتوقع. ودفعتها تلك التجربة إلى مراجعة اختياراتها والبحث عن أسباب الإخفاق، سواء في طبيعة الموضوعات أو في الأدوار التي تقبلها.
ورأت أن العلاقة بين الجمهور والسينما تغيّرت؛ فالأعمال التي تناقش قضايا اجتماعية لم تعد تحظى بالضرورة بالاهتمام الذي كانت تجده سابقًا، في ظل حضور أقوى للكوميديا والأكشن والخيال. ومع ذلك، أكدت تمسّكها بتجربة المشاهدة على الشاشة الكبيرة، داعية إلى تطوير قصور الثقافة ودعم دور العرض في المحافظات، لتوسيع فرص الوصول إلى الأفلام.

حين يُحاكَم الممثل بشخصيته
توقفت يسرا عند أثر مواقع التواصل الاجتماعي في استقبال الأعمال، خصوصًا حين يخلط المتفرج بين قناعات الفنان وسلوك الشخصية التي يؤديها. وأكدت أن تجسيد شخصية شريرة أو مثيرة للجدل لا يعني تبنّي أفكارها، بل تقديم نموذج موجود في المجتمع.
وفي حديثها عن حدود الجرأة، استذكرت مشاركتها في «كلام الليل» للمخرجة إيناس الدغيدي، مشيرة إلى أنها رفضت العمل أولًا بسبب أحد مشاهده، قبل التوصل إلى تعديلات في طريقة تصويره أتاحت لها استكمال التجربة.
وعكست روايتها جانبًا من التفاوض الذي يرافق صناعة المشهد السينمائي، بين رؤية المخرج وحدود الممثل، فيما رأت أن المناخ الحالي يضيف إلى هذه العلاقة حسابات ردود الفعل على المنصات الاجتماعية.

ليلى علوي: من يغيّر بوصلة الجمهور؟
من جهتها، أعادت ليلى علوي جانبًا من أزمة التنوع إلى تراجع استعداد المنتجين والموزعين للمخاطرة. فالسعي إلى تقديم ما يُعتقد أن الجمهور يريده، وفق رؤيتها، يحدّ من فرص ظهور أعمال تستطيع توسيع اهتماماته وتغيير توقعاته.
ودعت إلى وجود منتج يمتلك معرفة بالسينما وقناعة بما يقدّمه، ويكون مستعدًا لمنح الأفكار المختلفة فرصة، بدلًا من حصر القرارات في الأنماط التي سبق أن أثبتت نجاحها.
وقالت إن الإيرادات لم تكن المحرّك الأول لاختياراتها في بداياتها؛ إذ كانت تبحث عن التنوع والشخصيات التي تكشف جوانب جديدة من قدراتها. واستشهدت بفيلم «خرج ولم يعد» بوصفه تجربة قدّمتها بصورة مختلفة أمام صناع السينما، فيما مثّل «المغتصبون» محطة أدركت معها إمكان اجتماع القضية الاجتماعية والنجاح الجماهيري.
وبحسب علوي، فإن الإقبال على «المغتصبون» واستمراره في دور العرض جعلاها أكثر انتباهًا لأهمية العائد التجاري، من دون أن ينفصل ذلك عن قيمة الموضوع وطريقة تقديمه.

مغامرة الإنتاج وأسواق تتغيّر
استعادت علوي تجربتها الإنتاجية في «يا مهلبية يا»، موضحة أن اندلاع حرب الخليج أثناء تصويره أثّر في فرص توزيعه عربيًا، قبل أن يسهم نجاحه في مصر في تعويض غياب السوق الخليجية وإنقاذ التجربة ماليًا.
كما أشارت إلى «زواج بالطاعة» وتناوله قضية الزواج العرفي، مستحضرة فترة رأت أنها أتاحت مساحة أوسع لطرح موضوعات غير تقليدية.
ورغم إقرارها بقوة حضور أفلام الأكشن والكوميديا والتشويق حاليًا، رفضت اعتبار ذلك دليلًا على انغلاق السوق أمام الحكايات الأخرى، مستشهدة بأعمال مثل «رحلة 404» و«احكي يا شهرزاد» و«الهوى سلطان» و«نوارة»، للدلالة على تنوع الموضوعات التي يمكن أن تجد طريقها إلى الجمهور.
وأثارت أيضًا قضية القرصنة، معتبرة أن استمرار تداول الأفلام بصورة غير قانونية يحرم صناعها من عوائد مستحقة ويضعف فرص استمرار الإنتاج. وأشارت إلى أن عملها لثماني سنوات مع غرفة صناعة السينما أتاح لها متابعة المشكلة، التي ترى أنها ما زالت تحتاج إلى تدخل أكثر فاعلية لحماية الحقوق.

مريم أبو عوف: التلفزيون أتاح حكايات النساء
قدّمت المخرجة مريم أبو عوف زاوية أخرى للنقاش، حين تحدثت عن المساحة التي وجدتها في الدراما التلفزيونية لتقديم شخصيات نسائية واختيار الممثلين بحرية أكبر، بعيدًا عن ضغوط ترتيب الأسماء على الملصقات وحسابات الجذب التجاري.
ورأت أن تركّز الفرص في عدد محدود من النجوم يجعل المنافسة السينمائية أكثر صعوبة، ويدفع المنتج إلى إعطاء الأولوية لاسترداد التكلفة وتجنّب الخسارة.
واستعادت بدايتها التلفزيونية مع «هالة والمستخبي»، بطولة ليلى علوي، مشيرة إلى جرأة القضايا التي تناولها، ومنها استغلال الأطفال. وقالت إنها تعاملت مع التجربة برؤية سينمائية، وهو ما فرض تحديات في التصوير، لكنها تمسّكت بالطريقة التي تعرفها وتؤمن بها.
ومع تقديرها للمساحة التي أتاحها التلفزيون، عبّرت عن اشتياقها إلى السينما واستعدادها للعودة إليها قريبًا.

إلهام شاهين: هجوم أشدّ على الفنانات
وفي مداخلتها، ركّزت إلهام شاهين على الضغوط المجتمعية، معتبرة أن الفنانات يتعرضن لهجوم أكبر من زملائهن الرجال، وأن بعض الأفلام تواجه الإدانة انطلاقًا من عنوانها أو موضوعها قبل مشاهدتها.
واستشهدت بـ«لحم رخيص» لإيناس الدغيدي، موضحة أن الجدل حوله حجب، في رأيها، القضية التي يناقشها والمتعلقة باستغلال الفتيات والاتجار بهن تحت غطاء العمل أو الزواج المؤقت.
كما تحدثت عن «واحد صفر»، والصعوبات التي واجهت إنتاجه بسبب موضوعه ووجود شخصية مسيحية ضمن أحداثه. وقالت إن جهاز السينما تولّى إنتاجه بعد رفض منتجين له، مشيرة إلى مشاركاته الدولية وحصوله، وفق قولها، على أكثر من خمسين جائزة.
وانتقلت شاهين إلى تجربتها كمنتجة، متحدثة عن عراقيل واجهتها في توزيع بعض أعمالها، ومعترضة على إخضاع الأفلام جميعها لتوقعات الربح نفسها. ووصفت السينما بأنها «فن وصناعة ثم تجارة»، داعية إلى دعم المشروعات التي يتردد القطاع الخاص في تمويلها.
وطالبت بمساندة الدولة للإنتاج السينمائي، وتكاتف العاملين في المجال، ودعم النقاد لحرية الإبداع، بما يتيح للأعمال مناقشة قضايا المجتمع من دون الخضوع المستمر للخوف من الاعتراض.
الدغيدي تدافع عن اختياراتها
أما إيناس الدغيدي، فدافعت عن تناولها العلاقات الإنسانية والجنس في أفلامها، موضحة أن هذا الجانب قد يكون جزءًا أساسيًا من فهم الشخصية الدرامية وأزماتها.
وقالت إن اقترابها من موضوعات تُعدّ من المحرمات الاجتماعية انطلق من وجهة نظر أرادت التعبير عنها سينمائيًا، وإن الانتقادات لم تدفعها إلى التخلي عن قناعاتها أو السماح للآخرين بفرض رؤيتهم على أعمالها.
وبين شهادات المشاركات، ظلّ السؤال المطروح يتجاوز قدرة البطولة النسائية على تحقيق الإيرادات، ليشمل استعداد الصناعة لمنحها فرصًا متنوعة أصلًا؛ فرصًا تحتاج إلى منتج يقبل المغامرة، وشاشات تصل إلى جمهور أوسع، ومساحة تسمح للفنانة بتقديم شخصية مثيرة للجدل من دون أن تتحول هي نفسها إلى متهمة.


