في العراق، تحولت عبارة "الاحتلال الأميركي" لدى بعض الخطابات السياسية إلى تفسير جاهز لكل أزمة تقريبًا: الفساد، تراجع التعليم، ضعف الإدارة، الرشوة، المحسوبية، وحتى انهيار الخدمات، وبذلك يتحول حدث تاريخي كبير، ومسؤول فعلًا عن جانب من الخراب الذي أصاب البلاد، إلى شماعة تُعلّق عليها كل الإخفاقات اللاحقة.
لا شك أن الغزو الأميركي عام 2003 وما رافقه من احتلال وانهيار أمني ومؤسسي ترك آثارًا عميقة على الدولة العراقية، لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني اختزال تاريخ العراق كله في مرحلة ما بعد 2003، ولا إعفاء المؤسسات والقوى السياسية التي تولت إدارة الدولة بعد ذلك من مسؤولياتها.
فالعراق لم يدخل عام 2003 دولة مكتملة المؤسسات ومستقرة الإدارة، فقد سبقت الاحتلال سنوات طويلة من الحروب والاستبداد والعقوبات وتآكل مؤسسات الدولة، وانعكس ذلك على الاقتصاد والتعليم والخدمات والبنية الإدارية، كما أن مظاهر الفساد والتهريب والعمولات والمحسوبية لم تكن ظواهر مستحدثة بعد عام 2003.
وتشير تقارير دولية إلى أن التدهور في قطاعات، بينها التعليم، بدأ قبل الاحتلال بسنوات، فيما وثقت تقارير أخرى مظاهر واسعة للفساد والتهريب خلال عهد النظام السابق، وبعد 2003 ظهرت أنماط جديدة من الفساد في ظل ضعف المؤسسات وتداخل السياسة بالإدارة والمال العام.
المشكلة، إذن، ليست في تحميل الاحتلال مسؤوليته عن نتائجه، وإنما في استخدامه تفسيرًا شاملًا يلغي مسؤولية الحاضر، فالاحتلال انتهى، والقوات الأميركية انسحبت، وتبدلت الحكومات والبرلمانات والوزارات، لكن كثيرًا من الممارسات التي يُفترض أن تكون موضع إصلاح بقيت قائمة: الرشوة، المحسوبية، الوظائف الوهمية، العقود غير الرصينة، ضعف الرقابة، وتسييس مؤسسات الدولة، عمليات النهب التي تقوم بها المجموعات المسلحة والمكاتب الاقتصادية لها ولأحزابها، ناهيك عن تحول الوزارات إلى ممالك للأحزاب والميليشيات.
وهنا تظهر المفارقة، فحين يُنسب كل خلل إلى الاحتلال، يصبح النظام السابق وكأنه كان نموذجًا مكتملًا للدولة والمؤسسات، وكأن الرشوة والمحسوبية والفساد والتراجع الإداري ظهرت فجأة مع وصول القوات الأميركية، وبالرغم من ذلك فإن مسؤولية الدولة لا تُقاس فقط بما ورثته، بل بما فعلته بما ورثته.
قد يكون الاحتلال جزءًا أساسيًا من تفسير ما جرى للعراق، لكنه لا يفسر وحده ما حدث خلال أكثر من عقدين تاليين، فهناك قرارات اتخذتها حكومات عراقية، وسياسات وضعتها قوى سياسية، ومؤسسات أخفقت في أداء وظائفها، وأموال عامة أُهدرت، وشبكات مصالح تشكلت داخل النظام الجديد. وهذه وقائع لا يمكن تفسيرها جميعًا بحدث وقع عام 2003.
الإصرار على تفسير كل شيء بالماضي لا يفسر الحاضر بقدر ما يعفيه من المسؤولية، فالدولة التي تريد إصلاح التعليم مطالبة بمراجعة نظامها التعليمي، والتي تريد مكافحة الفساد مطالبة بإصلاح مؤسسات الرقابة والقضاء والإدارة، والتي تريد تحسين الخدمات مطالبة بمساءلة من يدير المال العام، لا الاكتفاء بإعادة سرد أخطاء الاحتلال.
التاريخ مهم، والمساءلة التاريخية مشروعة، لكن تحويل التاريخ إلى عذر دائم يعطل الإصلاح، فالاحتلال قد يكون جزءًا من القصة، لكنه ليس القصة كلها، والمسؤولية عن حاضر العراق لا يمكن أن تبقى معلقة على حدث مضى، لأن تعليق المسؤولية على الماضي يعني، في النهاية، تعليق فرصة الإصلاح معه.


