: آخر تحديث

إلى من يحبون هذا الوطن

4
4
3

في كل حديث عن الأجيال الجديدة، نُكثر من الحديث عما نريده منها.. أن تتعلم، أن تعمل، أن تتمسك بوطنها، وأن تكون على قدر ما ينتظرها من مسؤوليات. لكن ربما حان الوقت لأن نعكس السؤال.. ماذا فعلنا نحن لكي نساعدها على ذلك.

فالشباب لا يعيشون اليوم في فراغ. هم أمام سيل لا يتوقف من الآراء، المقاطع، الشعارات والأحكام السريعة. وفي عالم كهذا، تصبح الشعبوية أكثر إغراءً.. لأنها تقدم إجابات بسيطة لأسئلة معقدة.. تقسم الناس بسهولة إلى مخطئ ومصيب، مخلص وخائن، وتمنح الإنسان راحة اليقين قبل أن تمنحه فرصة المعرفة.

وهنا تحديدًا تكبر مسؤولية المحبين والغيورين على وطنهم، والمثقفين وأصحاب التجربة والمعرفة. مسؤوليتهم ليست أن يفكروا نيابة عن الشباب، ولا أن يطلبوا منهم ترديد ما يقولونه، بل أن يدفعوهم إلى أن يفكروا بأنفسهم.

علينا أن نعطي أبناءنا حق السؤال، حق الاختلاف، حق مراجعة ما يسمعون، بل وحتى حق الخطأ الذي يقود إلى معرفة أعمق. وأن نعلمهم أن حب الوطن لا يُقاس بارتفاع الصوت، وأن الوطنية ليست شعارًا نرفعه عند الاختلاف، ولا أداة نصنف بها الناس، بل عمل ومسؤولية وإضافة.

أعجبتني في هذا المعنى مقولة الراحل محمد عصام الخميس "الوطنية.. أن تخلق وظيفة، أن تُطعم مسكينًا، أن تكسو محتاجًا، أن تُنير عقلًا، أن تنشر المعرفة، أن تبني أسرة، أن تزرع فسيلة". ففي هذه الكلمات انتقال مهم من وطنية القول إلى وطنية الفعل.

والمثقف الحقيقي لا يخشى عقلًا شابًا يسأل، بل يخشى عقلًا اعتاد ألا يسأل. والغيور على وطنه لا يبحث عن أجيال تشبهه في كل شيء، إنما عن أجيال تستطيع أن ترى أبعد منه، وأن تبني على ما أنجزه جيله وتتجاوز ما أخفق فيه.

نحتاج أن نحدث أبناءنا عن تاريخ المملكة، وعن رحلة بنائها وتحولاتها، لا باعتباره مجموعة من الوقائع التي تُحفظ، بل تجربة تُقرأ ويُفكر فيها. وأن نفتح أمامهم أبواب الأدب، الفكر، التاريخ، العلوم والفنون، ونشجعهم على معرفة العالم بثقة.. فالهوية الواثقة لا تخشى المعرفة والانتماء الراسخ لا يخاف السؤال.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المهمة أكثر إلحاحًا. فالمعلومة ستكون متاحة للجميع، أما القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف وبين المعرفة والدعاية وبين الحجة والشعار، فستصبح من أثمن ما يملكه الإنسان.

ربما يكون أعظم ما نقدمه للجيل القادم ليس إجاباتنا، بل الأدوات التي تمكّنه من الوصول إلى إجاباته.. عقل يسأل، معرفة تتسع، ضمير مسؤول، وانتماء لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت نفسه.

فإذا كنا حقًا نحب هذا الوطن ونغار عليه.. فلا يكفي أن نطلب من أبنائنا أن يحملوه من بعدنا. علينا أن نساعدهم على امتلاك العقل الذي يستطيع أن يحمله إلى ما هو أبعد مما وصلنا إليه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.