: آخر تحديث

غرينلاند: بين حق تقرير المصير والهيمنة الأميركية!

3
3
2

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، ورئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، يوم الثلاثاء المصادف 22 أيلول (سبتمبر) الجاري، اتفاقًا أمنيًا يجمع الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، ويهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والدفاعي في المنطقة القطبية، حسب بنود الاتفاق. Pasted text

وجرى توقيع الاتفاق في نيويورك، وسط اهتمام دولي متزايد بالموقع الاستراتيجي لغرينلاند، في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي على منطقة القطب الشمالي. وتتلخص بنود الاتفاقية الأمنية الثلاثية في النقاط التالية:

أولًا: التوسع العسكري الأميركي، حيث مُنحت واشنطن الحق في إنشاء قاعدتين عسكريتين جديدتين.

ثانيًا: تحديث وتوسيع المنشآت الفضائية والدفاعية القائمة في شمال غرب غرينلاند، لتعزيز منظومات الإنذار المبكر ومراقبة الفضاء.

ثالثًا: منح السفن والغواصات والطائرات الأميركية حقوق التحليق والهبوط والعبور البحري وتحت الماء في كافة أرجاء الجزيرة ومياهها الإقليمية. ويُمنع منعًا باتًا على أي دولة من خارج حلف شمال الأطلسي إنشاء قواعد أو نشر قوات عسكرية في غرينلاند دون موافقة الأطراف الثلاثة.

رابعًا: تشكيل آلية مشتركة تمنح واشنطن حق الفيتو لحظر أي استثمار أجنبي من دول خارج الحلف وشركائه والاتحاد الأوروبي في القطاعات المهمة، مثل التعدين والبنية التحتية. ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقية المذكورة لا تنتهي بمرور الزمن، بل تنتقل تلقائيًا كإرث قانوني وأمني تلتزم به غرينلاند حتى لو أعلنت استقلالها الكامل.

حق الشعوب في تقرير مصيرها في ظل الهيمنة والغطرسة الأميركية

يُعتبر حق تقرير المصير من أهم المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وهو يمنح أي شعب الحق في تحديد وضعه السياسي واختيار شكل سلطته وحكومته بحرية تامة. كما يشمل سعيه لتحقيق تنميته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون أي تدخل خارجي أو احتلال أجنبي. أما المفاهيم الأساسية لحق تقرير المصير، فهي: القدرة على بناء دولة مستقلة أو اختيار شكل النظام الحاكم دون إملاءات خارجية، واتخاذ القرارات المصيرية للمجتمع بإرادة شعبية حرة، وحماية موارد الشعب وثقافته وتطويرهما بحرية. إلا أن ما جاء في الاتفاق، من وجهة نظرنا، يتعارض مع حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، من خلال فرض الإملاءات عليها والتدخل في خياراتها السياسية والاقتصادية، فضلًا عن السعي إلى السيطرة على موارد غرينلاند واستغلالها تحت ذريعة الحماية والأمن.

خطوط حمراء رسمت مستقبل غرينلاند قبل أن تولد كدولة

بالرغم من أن هذه الاتفاقية أنهت خيارات التوتر السياسي التي خيّمت على العلاقات بين كوبنهاغن وواشنطن خلال الفترة الماضية، ووضعت إطارًا قانونيًا وأمنيًا دائمًا للوجود العسكري الأميركي في غرينلاند، إلا أنها وضعت خطوطًا حمراء رسمت مستقبل غرينلاند قبل أن تولد كدولة.

فالاتفاقية الأمنية الثلاثية بين (واشنطن وكوبنهاغن ونوك) تفرض واقعًا جيوسياسيًا معقدًا، فهي لا تمنع غرينلاند قانونيًا من إعلان استقلالها، لكنها تضع أمامها شروطًا دفاعية واقتصادية صارمة تُقيّد حريتها السياسية مستقبليًا. بمعنى آخر، فإن استقلال غرينلاند، وفقًا لنص الاتفاقية والبيانات المشتركة، لا يُلغى من الناحية القانونية، إذ تم التأكيد صراحةً على حق شعب غرينلاند في تقرير المصير وفق القانون الدولي. وهذا يعني أن الجزيرة تملك الحق في إجراء استفتاء شعبي لإنهاء التبعية للتاج الدنماركي وإعلان دولة مستقلة. لكن الاتفاقية، في الوقت نفسه، تعيد صياغة شروط ما بعد الاستقلال، حيث ستبقى غرينلاند مرتبطة بالتزامات دفاعية وأمنية واسعة، ولا سيما في ظل موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي.

فغرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، لكن عدد سكانها لا يتجاوز نحو 57 ألف نسمة، وليس لديها جيش لحماية حدودها المترامية في القطب الشمالي المشتعل بالصراع بين القوى العظمى. وهذا الفراغ العسكري يعني أن الدولة الجديدة، في حال استقلالها، ستحتاج إلى الاعتماد على واشنطن وحلف الناتو للدفاع عنها، مما يجعل قرارها العسكري والسياسي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمنظومة الأمنية الغربية.

إلى جانب ذلك، فإن دولة غرينلاند المستقلة ستواجه التزامات تتعلق بالقواعد العسكرية الأميركية وحقوق الطيران والعبور الممنوحة لواشنطن وفق بنود الاتفاقية. كما ستواجه قيودًا على السماح لروسيا أو الصين ببناء قواعد عسكرية أو تسيير أنشطة حساسة، دون موافقة الأطراف المعنية وفق الأطر التي تحددها الاتفاقية.

أما القيود الاقتصادية، ولا سيما ما يتعلق بحق الفيتو الأميركي، فتُعد من أبرز العقبات أمام استقلال غرينلاند الاقتصادي الفعلي. فغرينلاند كانت تأمل في تمويل استقلالها الاقتصادي عن الدنمارك عبر استثمارات ضخمة في قطاعات التعدين والبنية التحتية والموانئ، إلا أن الاتفاقية تمنح واشنطن سلطة حظر أي استثمار تعتبره مهددًا للأمن القومي الأميركي! وهذا يعني أن غرينلاند ستظل، في حال استقلالها، مرتبطة أو بالأحرى تابعة بدرجة كبيرة للمعسكر الغربي، الأمر الذي قد يحد من خياراتها التنموية والاقتصادية الحرة.

إقليم بلا جيش

تعتبر غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، بمساحة تصل إلى نحو 2.1 مليون كيلومتر مربع، ولا يتجاوز عدد سكانها 56 ألف نسمة، وليس لديها جيش لحماية حدودها المترامية في القطب الشمالي المشتعل بالصراع بين القوى العظمى. هذا الفراغ العسكري يعني أنه في حال الإعلان عن استقلالها، ستعتمد بالكامل على البنتاغون وحلف الناتو للدفاع عنها، مما يجعل قرارها العسكري والسياسي تابعًا إلى حد كبير للمنظومة الأمنية الأميركية.

إضافة إلى ذلك، تعتمد غرينلاند على دعم مالي سنوي مباشر من الدنمارك، يمثل جزءًا كبيرًا من ميزانيتها. وفي حال الاستقلال، فإن فقدان هذا الدعم سيضع الدولة الجديدة أمام تحديات اقتصادية كبيرة. ولكي لا تنهار الدولة الجديدة اقتصاديًا، ستكون بحاجة إلى إيجاد مصادر بديلة للتمويل والاستثمار، وقد تجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد على المساعدات والقروض والاستثمارات الخارجية، الأمر الذي قد يعمق تبعيتها الاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى.

ومن هنا تتبادر إلى الأذهان أسئلة جوهرية، أبرزها: أليس ما تفعله واشنطن في غرينلاند شكلًا من أشكال الاحتلال، وإن جاء هذه المرة ضمن إطار اتفاق ثلاثي؟ فإذا كانت غرينلاند تملك حق تقرير مصيرها، فإلى أي مدى تستطيع ممارسة هذا الحق بحرية، في ظل اتفاق يمنح الولايات المتحدة وجودًا عسكريًا واسعًا وحقوقًا في الحركة الجوية والبحرية وتحت الماء، ويسمح بإنشاء قاعدتين عسكريتين جديدتين، ويضع ترتيبات أمنية واقتصادية تمتد إلى مرحلة ما بعد الاستقلال؟ وهل يمكن أن يكون تقرير المصير كاملًا إذا كانت الخيارات الأمنية والاستراتيجية للدولة المستقبلية مقيّدة مسبقًا باتفاق دولي لا يحدد له تاريخ انتهاء؟ وهل استقلال غرينلاند، في حال حدوثه، سيمنح شعبها سيادة كاملة على أرضه وقراره السياسي والاقتصادي، أم أن الاستقلال سيكون سياسيًا، بينما تبقى الملفات الأمنية والاستراتيجية مرتبطة بواشنطن وحلف الناتو؟ وهل حماية غرينلاند تعني بالضرورة أن تكون هناك قواعد عسكرية أجنبية جديدة على أراضيها؟ أم كان من الممكن تحقيق أمن الجزيرة من خلال ترتيبات دفاعية مختلفة تحافظ بصورة أكبر على استقلال قرارها؟ وهل حماية الأمن القومي الأميركي في القطب الشمالي يمكن أن تتقدم على حق شعب غرينلاند في تحديد خياراته الاقتصادية، ولا سيما في مجالات التعدين والبنية التحتية والاستثمارات الأجنبية؟ وهل يمكن اعتبار منع دول بعينها من الاستثمار أو إقامة وجود عسكري في غرينلاند حمايةً للأمن، أم أنه يؤدي في الوقت نفسه إلى تقييد الخيارات الاقتصادية والسياسية للشعب الغرينلاندي؟ وإذا كانت الاتفاقية تؤكد حق شعب غرينلاند في تقرير مصيره، فلماذا تُفرض على الدولة الغرينلاندية المستقلة مستقبلًا التزامات الاستمرار في حلف الناتو وتحمل الحقوق والالتزامات الواردة في الاتفاقية؟

وهنا يبقى السؤال الأكبر: هل نحن أمام حماية لغرينلاند، أم أمام إعادة صياغة للتبعية السياسية والأمنية والاقتصادية تحت عنوان الحماية؟ وهل يمكن أن يكون هناك تقرير مصير حقيقي لشعبٍ لا يملك، في نهاية المطاف، حرية كاملة في تحديد من يحمي أرضه، ومن يدخل مياهها وأجواءها، ومن يستثمر في مواردها، وما هي التحالفات التي ستلتزم بها دولته في المستقبل؟

أخيرًا أقول: نعم. هذه هي الديمقراطية والاعتراف بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها من منظور الولايات المتحدة الأميركية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.