: آخر تحديث

حين يصبح الأسطول احتياطًا استراتيجيًا

3
2
2

لا تبدو لي أزمة مضيق هرمز وحرب إيران، بعد أشهر من اندلاعها، مجرد أزمة نفط أو ملاحة، فبعيدًا عن الصواريخ والسفن التي تعبر وأجهزة التتبع مطفأة، بدأت تظهر نتيجة قد تكون أبقى من الحرب نفسها؛ إذ دفعت الأزمة دول الخليج وشركات الطاقة وملاك السفن إلى بناء قدرات لم تكن ستنشأ بهذه السرعة لولا الخوف من الاختناق، وكل قدرة جديدة منها تخصم شيئًا من قيمة المضيق كسلاح للابتزاز من قبل النظام الإيراني في المستقبل.

من خلال البيانات المنشورة، فإن هناك أكثر من 217 ناقلة نفط عملاقة طُلب بناؤها خلال هذا العام وحده، باستثمارات تتجاوز عشرين مليار دولار، وهو أكبر اندفاع من نوعه منذ ربع قرن على الأقل. وقد كشفت حرب إيران حجم النقص في ناقلات النفط العملاقة ورفعت ثمنها؛ فعندما تتجاوز أجرة الناقلة نصف مليون دولار يوميًا، ويضطر النفط إلى قطع مسافات أطول من الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا إلى آسيا، يصبح بناء السفن أكثر إغراء، لأن المشكلة لم تعد في وجود النفط وحده، بل في حجم أسطول الناقلات أيضًا، ومن يتحكم بها.

ومن هنا أعتقد أن مفهوم الاحتياط الاستراتيجي نفسه يحتاج إلى مراجعة خليجية. تعودنا أن نتحدث عن مخزون النفط والطاقة الإنتاجية الاحتياطية، لكن الأزمة أثبتت أن امتلاك النفط لا يكفي إذا لم تكن لديك القدرة على إخراجه عندما يرفض مالك السفينة العبور، أو يقفز السعر إلى مستوى غير محتمل، أو تنسحب شركة التأمين؛ فمن يملك النفط ولا يملك وسيلة نقله في وقت الأزمة لا يملك قراره كاملًا.

وما فعلته أدنوك للإمداد والخدمات - الذراع البحرية واللوجستية لشركة بترول أبوظبي الوطنية - يقدم صورة واضحة عن هذا التحول؛ ففي أغسطس الماضي استثمرت نحو 1.3 مليار دولار، أي ما يقارب 4.8 مليارات درهم، في شراء إحدى عشرة سفينة حديثة، بينها ست ناقلات نفط عملاقة وخمس ناقلات غاز كبيرة، لترفع أسطول ناقلات النفط العملاقة لديها من ثماني إلى أربع عشرة ناقلة. ولكن ما يهمني ليس عدد السفن وحده، بل إن الشركة تخدم أكثر من مئة عميل في أكثر من خمسين دولة، وهذا يعني أن توسيع الأسطول لا يعني تكوين احتياط يبقى راسيًا في الميناء انتظارًا للحرب.

لكن الحقيقة أن الأزمة كشفت حاجة أكبر من الرقم الذي انتهت إليه صفقة أغسطس؛ فقبل انضمام الناقلات الست الجديدة، كان الأسطول يضم ثماني ناقلات نفط عملاقة، واضطرت أدنوك بعد تصاعد الأزمة إلى استئجار نحو خمس وعشرين ناقلة خام إضافية، استخدمت قرابة خمس عشرة منها في النقل المكوكي إلى خارج المضيق، فيما واصلت البقية رحلاتها إلى العملاء.

وبذلك بلغ نطاق التشغيل نحو ثلاث وثلاثين ناقلة بين مملوكة ومستأجرة، لكن القدرة الدائمة يجب أن تحسب السفن الموجودة في الحوض الجاف أو الصيانة، وما قد يتعطل منها أو يتعرض لحادث أو أضرار هجوم؛ ولذلك يبدو لي أن نحو أربعين ناقلة خام مملوكة وطنيًا تمثل نقطة بداية معقولة، بما يترك هامشًا يقارب سبع ناقلات للخروج المؤقت من الخدمة.

والأربعون هنا حد تخطيطي متحرك، لا عدد ثابت ولا دعوة إلى شراء أربعين ناقلة عملاقة من طراز واحد؛ فالمعيار الحقيقي هو كمية النفط التي يستطيع الأسطول نقلها شهريًا بعد خصم الصيانة والأعطال، ولا تكتمل القيمة الاستراتيجية للملكية من دون تغطية سيادية لمخاطر الحرب، وضمان الطواقم والصيانة وقطع الغيار، لأن السفينة التي لا تستطيع الإبحار عند الخطر لا تدخل في حساب القوة مهما كان اسم مالكها.

ولا تحتاج هذه الناقلات إلى انتظار الحرب كي تبرر كلفتها، فقد قدم العراق أثناء الأزمة المثال الأقرب؛ إذ أصبحت أدنوك أكبر مشتري للخام العراقي في أغسطس وسبتمبر، بعدما وافقت على شراء 32 مليون برميل في أغسطس وأربعين مليونًا أخرى في سبتمبر، بينما كانت الصادرات العراقية تعاني نقص القدرة على الشحن وغياب أسطول وطني كافٍ. هكذا تتحول السفينة من كلفة احتياط إلى أصل يدر دخلًا في الأيام العادية ويوفر حرية الحركة عندما تقع الأزمة.

ومن هذه الواقعة تتسع الصورة إلى سوق أكبر من احتياجات الإمارات، لأن دولًا منتجة مثل العراق تحتاج إلى طاقة نقل، ويمكن تحويل جزء من الأموال التي تذهب إلى ملاك أجانب إلى إيرادات خليجية، فالمطلوب ليس سفنًا زائدة تُترك بلا عمل، بل تشغيل السفن المملوكة وطنيًا في نقل نفط الآخرين بعقود تحفظ حق استعادتها عند الضرورة، واستخدامها داخل تجارة النفط نفسها؛ فالناقلة لا تأتي عندئذ بعد اكتمال الصفقة، بل تصبح أداة في صنعها.

بالتأكيد، هذا كله لا يلغي أهمية مضيق هرمز، ولا أعتقد أن هناك ما يبرر الادعاء بذلك، لكنه يقلل قدرة المضيق على التحكم في جميع مراحل التصدير؛ فكلما أمكن فصل التحميل عن العبور، والعبور عن الرحلة الطويلة، أصبحت إصابة سفينة أو تعطلها مشكلة يمكن احتواؤها بدل أن تتحول إلى توقف لسلسلة كاملة، وهو حل مكلف وأقل كفاءة من الملاحة الطبيعية، لكنه يمنح المنتج ما هو أهم وقت الحرب، وهو استمرار الحركة.

لذلك لا تذهب الكلفة التي فرضها هرمز كلها إلى خانة الخسائر؛ فجزء منها يتحول إلى سفن وخبرة تشغيلية وموانئ ومسارات نقل وقدرات حماية وصيانة، فيما تجد مصانع السفن وشركات النقل مبررًا اقتصاديًا للاستثمار في مقاومة الاختناق. وما كان يُشترى من الخارج بدأ بعضه يتحول إلى صناعة أو خدمة محلية، وكلما ارتفع ثمن المرور عبر هرمز أصبحت الاستثمارات التي تقلل الاعتماد عليه أكثر جدوى.

الحساب الحقيقي لنتيجة الأزمة يبدأ إذن من سؤال مختلف: هل خرج الخليج منها أكثر قدرة على بيع نفطه ونقله بقراره، أم بقي ينتظر السفينة الأجنبية والتأمين الأجنبي في كل مرة يتوتر فيها المضيق؟

إذا تحولت الناقلات التي اضطر إلى استئجارها إلى أسطول يملكه ويشغله، وتحولت الحلول الطارئة إلى بنية دائمة، فستكون إيران قد جنت من هرمز أشهرًا من الابتزاز، لكنها أحرقت في المقابل أخطر أوراقها؛ فما أرادته خنجرًا دائمًا على رقبة الخليج أصبح، بفعل اندفاعها نفسه، سببًا لبناء خليج جديد لا يستطيع هرمز خنقه مرة أخرى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.