: آخر تحديث

طاب صباحك يا بلاد القلب

2
2
3

مشهد 1:

كنت طفلًا صغيرًا أذرع الطريق عائدًا من مدرستي الابتدائية إلى البيت بفرح لا يحتاج، في تلك السن، إلى سبب. كان يكفيني أن أصل، وأن أعبر الباب الحديدي الكبير، فأجد أمي في استقبالي، بوجهها الذي أعرفه، وبكلمات قليلة كانت تملك قدرة عجيبة على أن ترفعني إلى السماء.

لكن ذلك اليوم لم يكن ككل الأيام. ما إن اجتزت عتبة الباب حتى رأيت أمي تجهش ببكاء مرير. كانت المرة الأولى التي أراها فيها على تلك الحال. لم أعرف أن للكبار كل هذا العجز أمام الحزن، ولا أن الأم التي نحتمي بها يمكن أن تبدو، في لحظة، كأنها هي التي تبحث عمّن يحميها.

اقتربت منها مرتبكًا. لم أسأل. احتضنتني، وغابت في حزن كثيف.

كان قلبي الصغير يدق بعنف. خفت عليها، وخفت على بيتنا وأهلي، ولم أفهم ما الذي يحدث. لكنني، بحدس الأطفال الذي يسبق المعرفة، أدركت أن الأمر أكبر من قدرتي على الفهم.

ظل بكاؤها متقطعًا، وغاب عنها الكلام. ثم هدأت قليلًا، قبّلت رأسي وقالت بصوت لا يزال عالقًا في ذاكرتي:

الملك خالد مات. الله يرحمه.

ارتبكت أمام كلمة الموت.

كنت أسمع الرجال يتحدثون عن الملك خالد، عن مناقبه وطيبته، وعن حكايات تصلهم عنه من هنا وهناك. لكنني لم أكن أفهم لماذا يمكن لرحيل رجل لم يدخل بيتنا يومًا أن يجعل أمي تبكي كأن واحدًا من أهل البيت قد رحل.

احتجت إلى سنوات طويلة كي أفهم.

فبعض الأشياء لا ندرك معناها ساعة حدوثها. نعيشها أولًا، ثم تكبر معنا، إلى أن يأتي العمر بتفسيرها.

كبرت، وفهمت أن أمي لم تكن تبكي رجلًا بعيدًا عنها. كانت تبكي صورة للحاكم حين يكون قريبًا من الناس إلى الحد الذي يسكن معه بيوتهم، وذاكرتهم، وتفاصيل حياتهم. وحين تصبح العلاقة بين الإنسان ووطنه بهذا القرب، لا تعود السياسة شيئًا يحدث في الخارج، ولا يصبح الوطن مجرد حدود مرسومة على الخريطة.

يصبح شيئًا من العائلة.

مشهد 2:

بعد أعوام، سمعت حكاية أخرى.

حكاها لي صديق عن أبيه، وبقيت صورتها في ذهني كأنني كنت حاضرًا معهم في ذلك اليوم.

اشترى والده مزرعة كبيرة، وأصر على أن يبني فيها بيتًا تنتقل إليه الأسرة كلها. وحين اكتمل البيت وجاء اليوم الأول، لم يبدأ الأب بتفقد الغرف، ولا بعدّ الأشجار، ولا بحساب ما أنفقه في البناء.

صلى ركعتين.

ثم جلس طويلًا، ومد يديه إلى السماء في صمت مهيب.

وبعد أن فرغ، اتجه إلى صندوق خشبي قديم، ذلك النوع من الصناديق التي كانت بيوت الآباء تودع فيها أسرارها ووثائقها وأشياءها التي لا تُقدّر بثمن.

فتح الصندوق، وأخرج قطعة قماش طواها الزمن ولم يطفئ معناها.

فردها أمام أبنائه.

كان العلم السعودي.

الأخضر الذي تتوسطه شهادة التوحيد:

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

قبّل الأب العلم، وضمه إلى صدره، ثم التفت إلى أسرته وقال:

هيا بنا إلى السطح.

صعدوا جميعًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا. لم يكن أحد منهم متفرجًا. أراد الأب أن تشارك الأسرة كلها في تثبيت العلم فوق البيت الجديد، وكأنه كان يضع حجرًا أخيرًا لا يكتمل البيت من دونه.

اختار له مكانًا يطل على واجهة المنزل، مفتوحًا للريح، لكي يبقى خفاقًا وعاليًا.

وبينما كانت الأيدي تتعاون على تثبيته، هطل المطر.

مطر غزير ومفاجئ.

اختلطت ضحكات الأطفال بصوت الماء، وابتلت الثياب، ورفرف العلم فوق الرؤوس، واكتسب المشهد كله شيئًا من النورانية التي لا تصنعها الترتيبات المسبقة.

لم يحتج الأب يومها إلى خطبة عن الوطن.

كانت رسالته معلقة فوق البيت.

ومرت السنوات.

مات الأب، ثم اضطرت الأسرة إلى بيع المزرعة والبيت. خرج كل شيء تقريبًا من أيديهم: الأرض، والأشجار، والغرف التي كبرت فيها الحكايات.

لكن صاحبي أخبرني أنه في آخر يوم، وقبل أن يغلقوا الباب للمرة الأخيرة، ترك الجميع وصعد وحده إلى السطح.

أنزل العلم.

حمله كما حمله أبوه ذات يوم.

ضمه إلى صدره.

وبكى.

أحيانًا نبيع المكان، لكن المكان لا يغادرنا.

مشهد 3:

في الشتاء الماضي ذهبت إلى الدرعية. هناك، بين البيوت الطينية، ورائحة الأرض، ووادي حنيفة، وحي الطريف الذي تقف جدرانه شاهدًا على البدايات. هناك يبدو التاريخ أقل شبهًا بما نقرأه في الكتب، وأكثر شبهًا بشيء يمكن أن تلمسه بيدك.

وفي أحد الميادين رأيت العلم يرفرف عاليًا.

وقفت أتأمله.

تذكرت علم ذلك الأب فوق المزرعة. وتذكرت دموع أمي قبل عقود. وبدا لي أن الخيط الذي يصل بين الصور الثلاث أوضح مما كنت أظن.

طفل لا يفهم لماذا تبكي أمه.

وأب يصعد بأبنائه إلى سطح بيت جديد كي يرفعوا العلم بأيديهم.

وعَلَم يخفق فوق الدرعية، حيث بدأت قبل قرون حكاية دولة.

مشاهد متباعدة، لكن الحكاية واحدة.

من هنا امتدت البلاد واتسعت: نجد والحجاز، الشرق والشمال والجنوب، والحرمين الشريفين، ومدن وقرى ووجوه ولهجات وذكريات، حتى أصبح هذا الامتداد الكبير بيتًا واحدًا اسمه المملكة العربية السعودية.

والدرعية اليوم ليست حكاية ماضية نطل عليها بحنين فقط. إنها ذاكرة حيّة تقول إن الدول، مثل البشر، تحتاج إلى أن تعرف من أين جاءت لكي تعرف إلى أين تمضي.

مشهد 4:

كل سنة، بل قبل اليوم الوطني بأيام، يحدث شيء جميل في بيوت السعوديين.

تتحول البيوت إلى ما يشبه خلايا النحل.

الأبناء والبنات والأمهات والآباء منشغلون بالتفاصيل: أين نضع العلم؟ ماذا سيرتدي الأطفال؟ كيف ستكون الليلة؟ وكيف نؤثث البيت بشيء من البهجة وشيء من الحنين؟

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة.

لكن الأوطان الكبيرة تختبئ أحيانًا في التفاصيل الصغيرة.

طفل يرسم علمًا أخضر في مدرسته.

أم تعدّل شال ابنتها.

شاب يعلق راية على نافذة بيته.

ورجل مسن ينظر إلى الاحتفال فيرى في وجوه أحفاده سنوات طويلة مرت أمام عينيه.

إنهم لا يحتاجون إلى تعريف نظري للوطن.

لقد رضعوا معناه منذ طفولتهم، وكبر معهم حتى أصبح جزءًا من تكوينهم الداخلي.

لكن الحب، لكي يبقى، لا يكفي أن يكون عاطفة من طرف واحد.

نحن نحب الوطن، نعم.

لكن الأجمل أن نشعر أن الوطن يحبنا أيضًا.

يحبنا حين يصون كرامتنا، ويحفظ حقوقنا، ويفتح أمام أبنائه وبناته أبواب الحياة، ويجعل الإنسان قادرًا على أن يحلم، ثم يمنحه الطريق لكي يلاحق حلمه.

وهنا أتذكر رغد.

مشهد 5:

تخرجت رغد بتفوق من الجامعة.

كانت، مثل آلاف الشابات السعوديات، تحمل أحلامًا أكبر من حدود قاعة التخرج. قُبلت في برنامج للابتعاث، وسافرت إلى واحدة من الجامعات المرموقة في العالم.

تعلمت، وعاشت تجربة الغربة، واكتشفت العالم واكتشفت نفسها معه.

ثم عادت.

لم تعد بالشهادة وحدها، بل عادت بثقة ومعرفة وتجربة.

بدأت موظفة تثبت جدارتها يومًا بعد آخر. تقدمت، وتعلمت، واجهت التحديات بعزيمة وثبات، حتى تسنمت منصبًا قياديًا في شركة كبرى، تقود فرق العمل وتسهم في صناعة البرامج والمشروعات، وأصبح اسمها حاضرًا في مجالها.

ليست رغد استثناءً خارقًا.

وهنا جمال الحكاية.

إنها واحدة من حكايات كثيرة أصبحت ممكنة.

وفي إجازة اليوم الوطني تعود إلى بيتها بعد تجهيز كل شيء، لكن هذه المرة ليست الطالبة التي غادرت ذات يوم تحمل حقيبة وأحلامًا كثيرة.

إنها أم.

تجمع أبناءها حولها.

تضع الشال الأخضر على أكتافهم، وتسوّي أطرافه بيديها، ثم تمرر كفها على رؤوسهم.

ربما لن يفهم الأطفال كل ما ستقوله أمهم في تلك الليلة.

كما لم أفهم أنا، ذات يوم بعيد، لماذا كانت أمي تبكي الملك خالد.

سيحتاجون هم أيضًا إلى أن يكبروا قليلًا.

وحين يكبرون، ربما سيدركون أن الوطن ليس نشيدًا نردده في مناسبة، ولا علمًا نرفعه ثم نطويه في اليوم التالي.

الوطن هو تلك اليد الخفية التي ترافق الإنسان في رحلته، مدرسة تفتح له باب المعرفة، وأمن يعيده إلى بيته مطمئنًا، وفرصة تدفعه إلى الأمام، وقانون يحفظ حقه، ومجتمع يتغير معه، وأرض تمنحه مكانًا يستطيع أن يقول فيه بثقة: هنا بيتي.

عندها ربما تفهم رغد أبناءها أن العلم الذي تضعه اليوم على أكتافهم هو ذاته الذي ضمه ذلك الأب إلى صدره، ورفعه أبناؤه فوق المزرعة تحت المطر، وهو ذاته الذي رأيته يخفق فوق الدرعية، وهو ذاته الذي كان حاضرًا، بمعناه، في دموع أمي قبل عقود.

تتغير الوجوه.

وتتغير البيوت.

ويمضي الآباء، ويكبر الأطفال، وتتسع المدن، وتتبدل تفاصيل الحياة.

لكن شيئًا واحدًا يظل ينتقل من يد إلى يد، ومن قلب إلى قلب.

ليس العلم وحده.

بل المعنى الذي يحمله.

أن يكون لك وطن تحبه أمر عظيم.

وأن يكون لك وطن يحبك، فتراه في كرامتك وأمنك وفرصتك ومستقبل أبنائك، فذلك هو المعنى الأعمق للوطن.

وبعد كل هذه السنوات، أجدني أعود إلى ذلك الطفل الذي وقف حائرًا أمام دموع أمه. كبرتُ، وفهمتُ ما لم أفهمه يومها. واليوم، إذ يطل صباح جديد على هذه البلاد، تبدو لي تلك الدمعة القديمة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وأمضي مرددًا: طاب صباحك يا وطن، طاب صباحك يا بلاد القلب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.