كل من تابع الأزمة العالقة في مضيق هرمز منذ نهاية شباط (فبراير) الماضي رأى المشهد نفسه يتكرر: قرارٌ دوليٌّ يُصاغ بلغةٍ حازمة، ثم واقعٌ ميدانيٌّ لا يتغيّر بالقدر نفسه من الحزم. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس "لماذا لم يتحرك المجتمع الدولي؟" — فقد تحرك فعلًا — بل: لماذا تحرك من زاويةٍ غير التي توقّعناها؟
في آذار (مارس) الماضي، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2817، مدينًا بأشد العبارات ما وصفه بـ"الهجمات الشائنة" على سبع دولٍ مجاورة، ومؤكدًا أن حرية الملاحة في المضيق "لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف". هذا نصٌّ لا لبس فيه. لكن حين حاولت مجموعةٌ من الدول الخليجية — بالتنسيق مع واشنطن — تحويل هذا الإعلان إلى قرارٍ تنفيذي فعلي يُخوّل استخدام القوة لإعادة فتح المضيق، تعثّر المسار. دولٌ حليفة كبرى، بينها قوى أوروبية وآسيوية بارزة، أبدت تحفظًا واضحًا، وبعضها أعلن صراحةً أنه لن يشارك في أي عمليةٍ عسكرية لهذا الغرض.
فهل يعني هذا أن النظام الدولي فشل؟ الإجابة الأدق: لا — بل تحوّل مساره.
حين يتعطل باب، يُفتح آخر
بينما كان المسار الأمني يتعثر في أروقة نيويورك، كانت آليةٌ أخرى تعمل بصمتٍ وفعالية. الوكالة الدولية للطاقة نسّقت في آذار (مارس) الماضي سحبًا طارئًا من المخزون الاستراتيجي العالمي بلغ نحو 400 مليون برميل — عملية غطّت ما يقارب ربع الفجوة التي أحدثها تعطّل الشحن عبر المضيق. لم يكن هذا قرارًا من مجلس الأمن، ولا تفويضًا عسكريًا، بل تنسيقًا اقتصاديًا بحتًا بين دولٍ مستهلكة اتفقت على تحمّل الكلفة معًا.
وهذه ملاحظةٌ تستحق أن تُقال بوضوح: حين يتعطل مسارٌ من مسارات الاستجابة الدولية، لا يعني ذلك أن الاستجابة كلها تعطّلت — بل إن العبء ينتقل إلى المسار الذي ما زال قادرًا على التحرك. الأمن الجماعي تعثّر لأن إقناع عشرات الدول بالمشاركة في عملٍ عسكريٍّ محفوف بالمخاطر أمرٌ يصعب تحقيقه بسرعة. لكن التنسيق الاقتصادي بين عددٍ أصغر من الدول ذات المصلحة المباشرة — وهي كلها من كبار مستهلكي الطاقة — كان أسهل تحقيقًا بكثير، لأن حساب المصلحة فيه أوضح وأقرب أثرًا.
لماذا امتنع حلفاء عن المشاركة؟
من السهل أن يُختزل امتناع بعض الحلفاء الكبار عن العمل العسكري في وصفه "تخاذلًا" أو "ضعف إرادة". لكن هذا التفسير يفوّت شيئًا أعمق. كل حكومةٍ من هذه الحكومات لا تتفاوض في الساحة الدولية وحدها — إنها تتفاوض في آنٍ واحد مع رأيها العام الداخلي، وبرلمانها، ومصالحها الاقتصادية المحلية. وحين يكون الرأي العام الداخلي مترددًا تجاه التورط في نزاعٍ بعيد، تجد الحكومة نفسها مقيّدةً بحدودٍ لا تملك تجاوزها بسهولة، مهما بدت المصلحة الدولية واضحة.
هذا لا يعني أن هذه الدول كانت محقة أو مخطئة في موقفها — بل يعني أن قراءة أي أزمةٍ دولية تحتاج أن تنظر إلى مستويين معًا: ما يجري على طاولة المفاوضات الدولية، وما يجري في العاصمة نفسها قبل أن يصل أي مفاوضٍ إلى تلك الطاولة. والدولة التي تبدو مترددةً دوليًا قد تكون ببساطة تعكس قيدًا داخليًا حقيقيًا لا رغبةً في التخاذل.
الدرسُ الأعمق: كلفةٌ بديلة لا فراغ
ما حدث في هرمز ليس استثناءً، بل نمطٌ يتكرر كلما اصطدمت قاعدةٌ دوليةٌ واضحة بواقع تنفيذٍ معقّد. والدرس الذي يستحق أن يُستخلص ليس أن القواعد الدولية عاجزة، بل أنها تعمل بمنطقٍ أشبه بالسوائل منه بالأنابيب الصلبة: حين يُسدّ مجرى، يجد الماء مساره من مجرى آخر.
فحين انسدّ مسار الإنفاذ العسكري الجماعي، لم يتوقف العالم عن الاستجابة — بل استجاب اقتصاديًا، بأدواتٍ أخف حساسيةً سياسية وأسرع تفعيلًا. وهذا يعيد صياغة السؤال الذي يجب أن يُطرح في كل أزمةٍ مشابهة مستقبلًا: ليس فقط "من سيتحرك؟" بل "أيّ الأبواب ما زال مفتوحًا حين يُغلق الباب الأول؟"
والمفارقة الأخيرة التي تستحق التأمل: حين ارتفع سعر برميل النفط إلى ما يتجاوز 138 دولارًا في ذروة الأزمة، لم يكن ذلك مجرد رقمٍ اقتصادي — كان مؤشرًا صادقًا على حجم الأزمة، بينما ظلت البيانات الرسمية والبيانات الدبلوماسية تتحدث بلغةٍ أكثر تحفظًا. السوق، في لحظاتٍ كهذه، يقول ما لا تجرؤ البيانات الرسمية على قوله بالصراحة نفسها.


