مَن من أبناء جيلي لا يتذكر أغنية عبدالعزيز محمود: "يا شبشب الهنا، يا ريتني كنت أنا"؟ يومها وجد العاشق في "الشبشب" أمنية غرامية؛ فالقرب من المحبوبة يستحق، في مبالغة الغناء، أن يتمنى المرء لنفسه ما لا يتمناه في يقظته!
لم يكن المستمع بحاجة إلى محلل نفسي يشرح له علاقة الأحذية بالعواطف المكبوتة. كانت أغنية خفيفة، يلتقط الحس الشعبي دعابتها، ويفهم العاشق مبالغتها، ثم تمضي الحياة دون أن يُستدعى صاحبها للتحقيق في سلامة مشاعره تجاه الشباشب!
تذكرت الأغنية وأنا أقرأ رسالة الصديق العزيز الأستاذ محمد مختار الفال، الذي كتب إليّ مداعبًا: "بتُّ أخشى عليك من الحذاء!!"، متسائلًا عما سيأتي بعد كتابي "حكاية صرماية: العرب وثقافة الحذاء"، ومقالي "أنا والحذاء وهواك!!".
وخشي صديقي أن يجد أحد "علماء الغفلة" في هذا التتابع فرصة لاختراع نظرية عن "عشق الحذاء" أو "كره الشباشب"، وصلتهما بالأحلام الموؤودة والتطلعات المكبوتة! ثم اقترح أن أقطع الطريق على تلك "اللغوصات" بمقال عنوانه: "أحلام الشباشب وتطلعات الأحذية".
وها أنا أستجيب؛ وإن كنت أخشى أن يصبح المقال نفسه دليلًا جديدًا يضمه أصحاب النظرية إلى ملف القضية!
ولعل البداية المناسبة أن أقول: إن الحذاء في هذه الكتابات ليس متهمًا، ولا يستحق منا كل هذه الإساءة. إنه يؤدي وظيفة نافعة، ويحمينا من وعورة الطريق، ولا يدّعي أنه يرسم لنا وجهتنا. المشكلة تبدأ حين أستعيره لوصف سلوك إنساني يتخلى صاحبه عن استقلاله، ويجعل نفسه أداة جاهزة في أقدام الآخرين.
وقد بلغتُ في إهداء كتابي مبلغًا حادًا من السخرية، حين أشرت إلى تغريدة كتبتها بعد قراءة مذكرات أحد الدبلوماسيين، قلت فيها:
"قرأت أخيرًا مذكرات أحد الدبلوماسيين، واكتشفت أن كل مؤهلاته أنه موجود عند باب الخروج ينتعلونه إذا فقد أحدهم حذاءه!!".
تلك عبارة قاسية، وأتفهم أن يختلف قارئ مع حدتها. لكنها تلخص ما أردت نقده: أن تُختزل خبرة الإنسان ومواهبه في استعداده الدائم لأن يُستخدم؛ حتى يغدو رضا أصحاب النفوذ أهم عنده من قيمة ما يفعل، ومن احترامه لنفسه.
ومن هنا جاءت صلتي الأدبية بالصرم والشباشب والأحذية؛ فهي مفردات أستعيرها للسخرية من التملق والانتهازية والخضوع حين تتحول إلى طرائق للعيش، ثم تُقدَّم لنا في ثياب الحكمة وحسن التدبير.
ولثقافتنا الشعبية عبارات قد تمنح هذه السلوكيات غطاء جاهزًا: "إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي"، و"اليد اللي ما تقدر تعضها بوسها"، و"امشِ جنب الحيط وقول يا رب الستر"، و"تمسكن حتى تتمكن"، و"حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس"، و"الموت مع الجماعة رحمة".
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم كل من ردّد مثلًا شعبيًا، أو نختزل ظروف الناس في كلمة جارحة. فقد يكون الصمت اتقاءً لأذى، والتراجع تقديرًا لعاقبة، ومسايرة الواقع ضرورة عابرة. وليس من العدل أن نطالب مَن ضاقت به السبل ببطولة نتفرج عليها من مكان آمن.
إنما يبدأ الخلل حين تتحول الضرورة إلى فضيلة دائمة، ويصبح التملق مهارة يُتباهى بها، والتلون دليلًا على الذكاء، والتخلي عن الرأي شهادة على حسن التصرف.
عندها يجوز أن نسأل: متى صارت الحكمة أن يعيش الإنسان بلا موقف؟ ومتى أصبح النجاح مرهونًا بقدرته على الانحناء؟ وهل يكفي أن يسير الجميع في طريق حتى يُعفى الفرد من السؤال عن نهايته؟
هذه هي الأسئلة التي أقصدها، وإن دخلت إليها أحيانًا من باب الأحذية. وللقارئ أن يرى أن الرمز قد تكرر، أو أن السخرية اشتدت؛ فهذا نقد له مكانه، ويستحق أن يُناقش. أما أن تُختزل الكتابة في المفردة التي استعارتها، ويُترك معناها بحثًا عن علة متخيلة في صاحبها، فذلك تأويل يحمّل النص ما لا يحتمل.
وليس بيني وبين من يختلف معي خصومة بسبب اختلافه؛ فالسخرية التي تطالب الناس بمراجعة سلوكهم ينبغي أن تتسع هي أيضًا للمراجعة. لكنني أرجو أن ينصرف النقاش إلى الفكرة: هل نصف سلوكًا موجودًا؟ وهل أصابت الصورة معناه، أم تجاوزته؟
أما صديقي محمد مختار الفال، فأقول له: اطمئن، ما زلت أعرف موضع الحذاء، ولم أخلط بينه وبين موضع الرأس. وكل ما أحاوله أن أفهم لماذا يصر بعض الناس على تبادل المواضع!
وللشباشب، بعد ذلك، أن تحلم بما تشاء، وللأحذية أن تتطلع إلى واجهات المتاجر وأفخر الأقدام؛ أما الإنسان، فجدير به أن يتطلع إلى مقام يحتفظ فيه بعقله وكرامته.
فالحذاء يُقاس بمقاس القدم، أما الإنسان فلا ينبغي أن يفصّل نفسه على مقاس أقدام الآخرين.

