لا شك أن سوريا اليوم، وبعد تشكيل مجلس الشعب، تقف أمام استحقاق أساسي في مسار الانتقال إلى دولة جديدة، يتمثل في إعادة النظر في منظومة المراسيم والقوانين التي صدرت خلال عهد حزب البعث، ولا سيما تلك التي كُرّست لتقييد الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والعمل السياسي، والحد من حق المواطنين في تشكيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. فبناء دولة جديدة لا يقتصر على تغيير المؤسسات والأسماء، بل يتطلب مراجعة التشريعات التي أسهمت في ترسيخ منظومة سياسية وأمنية قيّدت المجال العام لعقود، بما يضمن قيام دولة القانون والمؤسسات وصون الحقوق والحريات العامة.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة التي تقدم بها أكثر من عشرة أعضاء في مجلس الشعب السوري لإلغاء القانون رقم 49 لعام 1980 أهمية خاصة، باعتبار أن القانون يجرّم الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا. فالمسألة، وإن كانت تتعلق بتنظيم سياسي محدد، ترتبط أيضًا بمصير آلاف السوريين الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب، بل والقتل في سجون نظام الأسد، تحت تهم تتصل بالانتماء إلى الجماعة.
لذلك، فإن إلغاء هذا القانون يمكن النظر إليه باعتباره خطوة في اتجاه معالجة إرث القوانين الاستثنائية وتحقيق قدر من العدالة للضحايا وذويهم. لكن، في المقابل، فإن الملف لا ينفصل عن حسابات سياسية وإقليمية ينبغي التعامل معها بحذر، خصوصًا في ظل انفتاح دول عدة على سوريا، ورغبة بعضها في الاستثمار والمساهمة في إعادة الإعمار، في وقت ما تزال لديها تحفظات ومواقف سلبية تجاه جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين.
لذلك، المطلوب ليس التعامل مع القضية باعتبارها مسألة قانونية مجردة، بل ضمن رؤية وطنية متكاملة تحقق التوازن بين العدالة والمصلحة السورية. فمن جهة، ينبغي طمأنة السوريين الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب انتماءاتهم السياسية أو الفكرية بأن الدولة الجديدة لا تعاقبهم على مجرد الانتماء السياسي، وأن العمل السياسي يجب أن يخضع للقانون، لا للاعتقال أو الإعدام.
ومن جهة أخرى، ينبغي طمأنة الدول التي لديها مخاوف من الإسلام السياسي بأن أي نشاط سياسي داخل سوريا يجب أن يكون سوريًا، علنيًا، وسلميًا، وخاضعًا للقانون، وألا يتحول إلى نشاط عابر للحدود أو إلى منصة لتهديد أمن الدول الأخرى.
وهنا يأتي دور الجهة المعنية بالسياسة الخارجية في دراسة هذا الملف بعناية، لأن القضية لا تتعلق فقط بإلغاء قانون صدر في عهد الأسد، وإنما بكيفية إدارة تداعياته داخليًا وخارجيًا، بما يحفظ حقوق الضحايا، ويمنع إنتاج قوانين الإقصاء السياسي من جديد، وفي الوقت نفسه يحمي مصالح سوريا وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
كما أن الملف يتقاطع مع المفاوضات السورية–الإسرائيلية، ومع المواقف الإقليمية والدولية من جماعات الإسلام السياسي. لذلك، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى قراءة دقيقة للمواقف الدولية، وتحديد ما إذا كانت ستؤثر في مسار العلاقات والمفاوضات أو في فرص الاستثمار والانفتاح على سوريا.
المعادلة في النهاية هي بين كفتي العدالة والمصلحة الوطنية: العدالة تقتضي معالجة إرث قانون استُخدم لعقاب السوريين بسبب انتماءاتهم السياسية، والمصلحة الوطنية تقتضي أن تتم هذه المعالجة بطريقة لا تعزل سوريا عن محيطها، ولا تعرّض علاقاتها الدولية أو فرص الاستثمار وإعادة الإعمار لمزيد من التعقيد.
والحل ليس بإبقاء قانون استثنائي لمجرد إرضاء الخارج، ولا بإلغاء القانون دون بناء إطار قانوني واضح ينظم العمل السياسي لجميع السوريين. المطلوب هو دولة تضمن حرية التنظيم والعمل السياسي للجميع، وتمنع في الوقت نفسه استخدام الأراضي السورية للإضرار بأمن الدول الأخرى، وفق القانون والمصلحة الوطنية السورية.


