ليست عبارة "وزارة الأوقاف عندي مثل شحاطتي"، المنسوبة إلى وزير الأوقاف السوري، مجرد زلّة لسان يمكن تجاوزها بابتسامة، ولا عفويةً تُبرَّر بحسن النيات، إنها عبارة جارحة لهيبة مؤسسة عامة، وتكشف خللًا واضحًا في فهم المسؤولية التي يفرضها الموقع الوزاري على صاحبه، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بوزارة يُفترض أن تحظى لغتها بقدر كبير من الوقار والاتزان.
فالوزير، حين يتحدث أمام الناس، لا يتحدث بصفته الشخصية فقط، وإنما بصفته ممثلًا لمؤسسة من مؤسسات الدولة، ومسؤولًا عن خطابها وصورتها ومكانتها. وإذا كان الإنسان حرًا في التقليل من شأن نفسه، أو التعبير عن زهده في المناصب، فليس من حقه أن يقلّل من شأن المؤسسة التي ائتمنه الناس عليها، فالوزارة ليست ملكًا للوزير حتى يشبّهها بما يشاء، وإنما هي مؤسسة عامة لها تاريخها ووظيفتها وحرمتها المعنوية.
وكان بإمكان الوزير أن يقول إن المنصب لا يغريه، أو إن الكرسي لا يعني له شيئًا، أو إن خدمة الناس أسمى من الألقاب والمواقع. عندها كان كلامه سيُفهم على أنه تواضع وزهد في الجاه. أما تشبيه وزارة الأوقاف بـ"الشحاطة"، فهو ينقل الحديث من معنى التواضع إلى مستوى من الابتذال لا يليق باللغة الرسمية ولا بالمكانة الاعتبارية للوزارة.
والفارق كبير بين أن يصغر المنصب في عين صاحبه، وبين أن يصغّر صاحبه المنصب في عيون الناس. الأول قد يكون زهدًا وتواضعًا، أما الثاني فهو إساءة إلى مؤسسة لا يملكها الوزير، بل يتولى إدارتها مؤقتًا. فالوزراء يأتون ويغادرون، فيما تبقى الوزارات جزءًا من كيان الدولة وذاكرتها الإدارية ومسؤوليتها تجاه المجتمع.
وتزداد فداحة العبارة لأنها صدرت عن وزير للأوقاف، وهي الوزارة المعنية بالشؤون الدينية وإدارة المساجد والأوقاف، والمفترض أن يكون خطابها أكثر حرصًا على اختيار الألفاظ. وليس معنى ذلك أن الوزير يمثل الدين نفسه، فالدين أرفع وأوسع من أن يمثله شخص أو مؤسسة، لكنه يشغل منصبًا على صلة مباشرة بالقيم والأخلاق والخطاب الديني العام، ولذلك يُنتظر منه أن يكون أكثر وعيًا بمسؤولية الكلمة وأثرها.
إن اللغة ليست تفصيلًا صغيرًا في العمل السياسي والإداري، بل هي مرآة لطريقة تفكير المسؤول ونظرته إلى المنصب والمؤسسة والمواطن. وحين يستخفّ مسؤول بمؤسسته، ولو تحت ذريعة العفوية، فإنه يمنح الآخرين مبررًا للاستخفاف بها أيضًا، ويهدم جانبًا من الثقة التي ينبغي أن تقوم بين الدولة والمجتمع.
لقد عانى السوريون طويلًا من لغة الإهانة والدوس والاحتقار التي ارتبطت بممارسات السلطة السابقة. ومن غير المقبول أن تنتقل مفردات تلك الثقافة، ولو في سياق مختلف، إلى خطاب مسؤول في الدولة الجديدة. فالتغيير الحقيقي لا يكون بتبديل الوجوه والشعارات وحدها، بل بتغيير اللغة والعقلية وطريقة النظر إلى الإنسان والمؤسسات.
ولا يكفي أن نقول إن الوزير لم يقصد الإساءة، فالمناصب العامة لا تُقاس بالنوايا وحدها، وإنما بما يصدر عن أصحابها من أقوال ومواقف. وقد تكون النية بريئة، لكن العبارة تظل مسيئة، وتأثيرها في الرأي العام لا تمحوه التفسيرات اللاحقة ولا محاولات البحث عن مخارج لغوية لها.
إن سوريا التي دفعت ثمنًا هائلًا من دماء أبنائها وحريتهم وكرامتهم تحتاج اليوم إلى خطاب رسمي يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، لا إلى عبارات تفتح أبواب السخرية وتسيء إلى المؤسسات. وهيبة الدولة لا تتحقق بالتعالي على الناس، كما لا تتحقق بتسطيح مقام الوزارة، بل تتحقق حين يعرف المسؤول أن المنصب أمانة، وأن كلماته محسوبة عليه، وأن احترامه للمؤسسة هو في جوهره احترام للمواطن.
ما بدر عن وزير الأوقاف واقعة مؤسفة ومخجلة، تستدعي توضيحًا واعتذارًا صريحًا، لا مخارج لغوية ولا تبريرات متكلّفة. فالاعتذار لا ينتقص من قيمة المسؤول، بل يؤكد شجاعته واحترامه للرأي العام. أما المكابرة أو الصمت، فيجعلان الإساءة أكبر من العبارة نفسها.
فالزهد الحقيقي أن يتواضع المسؤول في نفسه، لا أن يهين المؤسسة التي يديرها. وبناء الدولة يبدأ من احترام الإنسان، ويكتمل باحترام مؤسساتها وقدسية المسؤولية العامة، لأن الدولة التي نريدها لا تُبنى بلغة "الشحاطة"، وإنما بلغة المسؤولية والكرامة والاحترام.


