: آخر تحديث
جمعيات شحن حذّرت وبعد خمسة أسابيع تحقّق التحذير في مضيقٍ آخر:

هل وُلد في باب المندب نظامُ عبورٍ لم يوقّع عليه أحد؟

4
4
3

في أغسطس الماضي طالبت ثماني من كبرى جمعيات الشحن البحري الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية برفض أي رسومٍ إلزامية على عبور مضيق هرمز. ولم يكن تحذيرها اقتصادياً فحسب؛ فقد نبّهت إلى أن قبول الرسوم في هرمز سيفتح الباب لفرضها في ممراتٍ استراتيجية أخرى. وبعد خمسة أسابيع، في 11 سبتمبر، استكمل الحوثيون سيطرتهم على باب المندب إثر انسحاب القوات الحكومية.

ومنذ ذلك اليوم تدور التغطية حول سؤالٍ واحد: هل ستُغلق الجماعة المضيق؟ لكنه ليس السؤال الصحيح. فالجماعة لا تريد إغلاق المضيق، وإنما تريد أن تقرر هي من يعبره. وهذا أخطر من الإغلاق.

ما قيل في أسبوعين

صرّح مسؤولٌ حوثي بأن الملاحة في المضيق آمنة، باستثناء السفن السعودية، وأضاف أن المضيق سيُغلق أمام العالم إذا ساند المجتمع الدولي واشنطن. وكشفت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن رسالةٍ من الجماعة إلى الاتحاد الأوروبي تتعهد فيها بعدم استهداف السفن الأوروبية. وقال الرئيس الأمريكي إن الحوثيين وافقوا على عدم قتال الولايات المتحدة.

ثلاثة تصريحات متفرقة في الظاهر، لكنها تكوّن معاً جدولاً واحداً: سفنٌ يُسمح لها بالمرور، وسفنٌ تُستثنى منه، وسفنٌ يتوقف مرورها على مواقف دولها. وهذا نظام عبور، وإن لم يُعلَن تحت هذا الاسم.

النموذج الأول: هرمز بأدوات الدولة

لفهم ما يجري في باب المندب ينبغي أن نعود إلى هرمز. فهناك بنت طهران نظامها بأدوات الدولة المعروفة: وثيقة تحدد قواعد العبور، وتصاريح، ورسوم بلغت في بعض الحالات مليوني دولار للرحلة الواحدة. وبعد الدفع كانت زوارق الحرس الثوري ترافق الناقلة في مسارٍ ضيق محدد. أما من لا يمتثل فيواجه خطر الهجوم. ثم أُلبس النظام ثوباً قانونياً، إذ قال نائب وزير الخارجية الإيراني إن تقاضي الرسوم مقابل خدماتٍ بحرية لا يتعارض مع قانون البحار.

النموذج الثاني: باب المندب بأدوات الجماعة

في باب المندب لا توجد هيئة تُصدر التصاريح، ولا رسوم تُحصَّل، ولا وثيقة منشورة. الأدوات هنا من نوعٍ آخر: تصريحٌ يستثني علماً بعينه، ورسالة طمأنة إلى تكتلٍ بعينه، وتفاهمٌ مع قوةٍ كبرى بعينها. فالتصريح يحلّ محلّ التصريح الورقي، والتعهد الثنائي يحلّ محلّ الرسم.

والأدوات مختلفة، لكن الناتج واحد: المرور الذي كان حقاً صار إذناً. في هرمز يُشترى الإذن بالمال، وفي باب المندب يُشترى بالموقف. وحين تقبل دولةٌ طمأنةً من هذا النوع، فإنها لا تحمي سفنها فحسب، بل تعترف ضمناً بأن الجهة التي طمأنتها تملك أن تمنح المرور وأن تمنعه. فالرسم في باب المندب لا يُدفع مالاً، بل يُدفع حياداً.

المعيار موجود

تُعالج اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 هذه الحالة بوضوح. فللسفن في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية حق «المرور العابر»، وهو حقٌّ لا يجوز إعاقته (المادة 38). ولا يجوز أن تميّز قوانين الدول المطلّة على المضيق بين السفن الأجنبية، لا في نصها ولا في أثرها الفعلي (المادة 42). ولا يجوز وقف المرور العابر أصلاً (المادة 44).

والنظام الذي يتشكّل في باب المندب يخالف المواد الثلاث معاً: فهو يعيق المرور بالتهديد، ويميّز بين السفن بحسب أعلامها، ويلوّح بالوقف الشامل. والمفارقة أن الاتفاقية منعت هذا التمييز على الدول ذات السيادة نفسها، فكيف تجيزه لجماعةٍ مسلحة تفرضه على أرض دولةٍ أخرى؟

الفجوة: من يقرر الخرق، ومن ينفّذ بعده؟

حين يُطرح على هذه الحالة السؤالان التاليان للمعيار، أي من يملك أن يقرر أن المعيار خُرق، ومن يملك أن ينفّذ بعد ذلك، تتضح الفجوة كاملة.

ففي هرمز كان الطرف المخالف دولةً وقّعت الاتفاقية ولم تصادق عليها. أما في باب المندب فالطرف الذي يمارس السيطرة ليس دولةً أصلاً، والمعاهدة تخاطب الدول. فالمعيار هنا قائم، لكن من يُفترض أن يُخاطَب به غائب.

والفاصل الدولي يتردد. فقد دعا المبعوث الأممي إلى اليمن جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وضبط النفس، وهي صيغةٌ رأت فيها الحكومة اليمنية مساواةً غير مقبولة بين الدولة والجماعة. وقد لخّص مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة المعادلة أمام مجلس الأمن حين قال إن باب المندب أرضٌ يمنية، لكن أمنه يخص العالم كله.

والإنفاذ معلّق. فقد أفاد موقع «أكسيوس» بأن الرئيس الأمريكي أوقف ضرباتٍ ضد الحوثيين بعد أن أعدّت القيادة المركزية خياراتها. وفي المقابل تحدثت تقارير عن زيارة خبراء من الحرس الثوري لمواقع قرب المضيق لبحث إنشاء رادارات وحفر أنفاق. طرفٌ يثبّت الأمر الواقع، وطرفٌ يتريّث. وفي هذه المسافة بين الاثنين يترسّخ النظام الجديد.

الدولة تجيب

على هذا الترسّخ جاءت الإجابة من داخل اليمن. ففي مساء الخميس 24 سبتمبر أصدر مفتي عام المملكة الشيخ صالح الفوزان بياناً أكد فيه أن تثبيت سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على كامل أراضي البلاد من أوجب الواجبات. وفي اليوم التالي، عشية ذكرى ثورة 26 سبتمبر، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، محدداً الهدف باستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها وصولاً إلى صنعاء، وفاتحاً باب العفو لمن يترك القتال في صفوف الجماعة.

والصلة بين النفير والمضيق أعمق مما يبدو. فكل نظام عبورٍ تمييزي يقوم على افتراضٍ واحد: أن صاحب الأرض الشرعي غائب. وحين تعود الدولة إلى ساحلها يسقط النظام من أساسه، لأن المرور العابر يعود حينها حقاً تكفله دولةٌ طرفٌ في الاتفاقية، لا إذناً تمنحه جماعة.

ما العمل؟

ثلاث خطوات عملية، من الأسهل إلى الأصعب:

الأولى: عدم الاعتراف الجماعي بالطمأنات. فكل تعهدٍ بعدم الاستهداف يُقبل من جهةٍ لا تملك المضيق يُعدّ تصريح عبورٍ غير معلن. والمطلوب أن تعلن الدول المطلّة على البحر الأحمر، ومعها الدول صاحبة الأساطيل التجارية الكبرى، أن المرور في باب المندب حقٌّ بموجب الاتفاقية لا يمنحه أحد ولا يُستأذن فيه أحد. وأن يُطلب من مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية تأكيد انطباق المادتين 42 و44 على المضيق، تماماً كما طلبت جمعيات الشحن رفض رسوم هرمز.

الثانية: تفعيل المجلس الإقليمي القائم. ففي 6 يناير 2020 وُقّع في الرياض ميثاق مجلس الدول العربية والأفريقية المطلّة على البحر الأحمر وخليج عدن، بعضوية ثماني دول مقرّها الرياض. وهذا المجلس هو الإطار الطبيعي ليكون فاصلاً مسمّى لأمن المضيق: جهةً إقليمية معلومة تملك أن تقول إن المعيار خُرق، وأن تنسّق الرد.

الثالثة: دعم استعادة الدولة لساحلها. فالخطوتان الأولى والثانية تمنعان تثبيت النظام، لكن الثالثة وحدها هي التي تُسقطه. وهنا يصبح دعم الدولة اليمنية الشرعية في استعادة الساحل الغربي أداةً لحماية الملاحة الدولية، لا شأناً يمنياً داخلياً فحسب.

خلاصة

في هرمز بُني نظام العبور بالورق والرسوم، وفي باب المندب بُني بالتصريحات والتعهدات. واختلاف الأدوات لا ينبغي أن يحجب وحدة الناتج: حقٌّ عالمي يتحوّل إلى إذنٍ محلي. ومن يقبل الإذن اليوم، وإن جاءه مجاناً، يكون قد دفع ثمنه مسبقاً: اعترافه بأن المرور لم يعد حقاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.