وكأن تلك اللحظة لم تكن مجرد تعليق عابر في برنامج أو خطاب، بل شقّاً عميقاً في الذاكرة، جرحاً مفتوحاً كلما مرّت السنوات ازداد وضوحاً بدلاً من أن يندمل. بعد سقوط بشار الأسد وفراره، تعود تلك الدهشة القديمة لتجلس في مقدّمة المشهد، لا كذكرى، بل كضمير حيّ يرفض الصمت. دهشة الشيخ محمد بن راشد لم تكن انفعالاً طارئاً، بل كانت مرآة صافية عكست ما عجز العالم يومها عن قوله بوضوح.
كان السؤال بسيطاً في صياغته، مرعباً في معناه: كيف يفعل ذلك في شعبه؟
وكأن الفعل نفسه خارج عن حدود الخيال، كأن القسوة بلغت حدّاً لم يعد العقل قادراً على استيعابه. لم يكن السؤال يبحث عن تفسير سياسي، ولا عن مبرر أمني، ولا عن قراءة استراتيجية، كان سؤالاً أخلاقياً خالصاً، صادراً من إنسان لم يفهم كيف يمكن للحاكم أن ينقلب جلاداً، وللرئيس أن يتحول إلى كابوس دائم لشعبه. كيف يجلس على كرسي الرئاسة، والكرسي ذاته مبلل بدماء الذين خرجوا يهتفون بأسمائهم؟ كيف يستقيم ظهره وهو يسمع صدى الصراخ من تحت الأرض، من الزنازين الضيقة التي امتلأت عن آخرها، حتى لم تعد تتسع للأجساد ولا للأحلام؟ سجون لم تعد أماكن احتجاز، بل مقابر مؤجلة، ينتظر فيها السوريون موتاً بطيئاً، بلا أسماء، بلا محاكمات، بلا وداع.
كانت المظاهرات في ذلك الوقت آنذاك لا تنتهي، كأن الشوارع نفسها قررت أن تتكلم بعد طول صمت. وجوه شابة، أصوات مبحوحة، أيد مرفوعة لا تحمل سوى الرجاء. ومع ذلك، كان الرصاص أسرع من الأمل، والقمع أسبق من الإصغاء. ومع كل هذا، ظل السؤال معلقاً: كيف يمكنه أن يستمر؟ كيف يمكنه أن يحكم فوق هذا الركام، كأن البلاد ليست سوى مسرح لتجربة قسوته؟
الشيخ محمد توقف طويلاً أمام هذا المشهد، توقف من لا يريد أن يصدّق، لأن التصديق يعني الاعتراف بأن الإنسان قادر على هذا القدر من الانحدار. دهشته كانت صامتة أحياناً، وأحياناً أخرى تنفجر في كلمات قليلة، لكنها كانت دائماً صادقة. لم يكن يرى أرقام ضحايا ولا تقارير إخبارية، بل كان يرى شعباً يسحق، وكرامة تداس، وطناً يفكك قطعة قطعة. واليوم، بعد أن انقلب المشهد، وبعد أن هرب من ظنّ أن الكرسي سيحميه إلى الأبد، تبدو تلك الدهشة كأنها شهادة أخيرة. شهادة على زمن فقد فيه الحاكم إنسانيته، وعلى زمن آخر حاول فيه بعض القادة أن يفهموا، لا كيف تدار السلطة، بل كيف تصان الأرواح. يبقى ذلك السؤال، لا ليجاب عنه، بل ليلاحق كل من يظن أن الحكم قوة بلا حساب، وأن الألم يمكن أن ينسى.
إنها دهشة ستظل حاضرة، لأن ما حدث لم يكن مجرد سقوط رجل، بل انكشاف فكرة: أن الطغيان، مهما طال، لا يستطيع أن يقتل السؤال، ولا أن يخمد صوت الاستغراب الإنساني حين يرى الظلم عارياً، فاضحاً، بلا أي مبرر.
لا أزال، بالرغم من كل ما رأيت وسمعت وعشت، عاجزة عن فهم معنى الحرية في الوطن العربي. كأنها كلمة ولدت هنا بلا ملامح، تردد كثيراً لكنها لا تعاش، تكتب في الدساتير لكنها لا تسكن الشوارع، ترفع في الخطب ثم تسحب من صدور الناس عند أول سؤال. أحاول أن أمسك بها، أن أحدد شكلها، حدودها، رائحتها، فلا أجد سوى فراغ ثقيل، وسلسلة طويلة من المحظورات والخوف الموروث.
ما هي الحرية هنا؟
هل هي أن تتنفس بشرط ألا ترفع صوتك؟
أن تعيش بشرط ألا تفكر بصوت عال؟
أن تحب وطنك بشرط ألا تسأله لماذا يؤلمك؟
في هذا الجزء من العالم، تبدو الحرية كزائر غريب، يستقبل بحذر، ويراقب بريبة، ثم يتهم سريعاً بأنه سبب الفوضى والانهيار. تختزل الحرية في فوضى متخيلة، وكأن الكرامة خطر، وكأن الإنسان إذا ترك ليقول رأيه سيحرق البلاد. لذلك يقمع قبل أن يتكلم، ويكسر قبل أن يحلم، ويربى منذ طفولته على أن السلامة في الصمت، وأن النجاة في الانحناء. لا أفهم هذا القمع الذي يستبيح الكرامة بلا خجل، كأنه فعل يومي عادي، كأنه جزء من الطقس العام. قمع لا يكتفي بتقييد الجسد، بل يمد يده إلى الروح، إلى اللغة، إلى الذاكرة. قمع يجعل الإنسان يشك في حقه الطبيعي بأن يكون إنساناً. لماذا يعامل المواطن وكأنه متهم دائم؟ لماذا يطلب منه الولاء قبل الاحترام، والخضوع قبل العدالة، والصمت قبل الحياة؟
في الوطن العربي، القمع لا يأتي دائماً على شكل هراوات وسجون فقط، بل يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، في الخوف من الكلام، في الرقابة على الأفكار، في التعليم الذي يعلم الطاعة أكثر مما يعلم الفهم، في الإعلام الذي يلمع القيد ويصفه بالأمان. يكبر الإنسان وهو محاط بأسوار غير مرئية، يتعلم أين يتوقف، وأين يخفض صوته، وأي الأسئلة لا تسأل، وأي الأحلام يجب أن تبقى سرية. والأكثر إيلاماً أن هذا القمع يبرر دائماً. يقال إنه لحمايتك، من نفسك، من غيرك، من المجهول. يقال إنك غير جاهز للحرية، وكأن الحرية شهادة تمنح، لا حق يولد مع الإنسان. وكأن الكرامة رفاهية، والإنسانية خيار يمكن تأجيله إلى إشعار آخر لا يأتي.
أتساءل: كيف يمكن لوطن أن يخاف من مواطنيه؟
كيف يمكن لسلطة أن ترى في الإنسان خطراً لا قيمة؟
كيف يطلب من الناس أن يحبوا أرضاً لا تسمح لهم أن يكونوا أنفسهم فوقها؟
الحرية في معناها البسيط ليست ثورة دائمة، ولا فوضى، ولا تهديداً لأحد. الحرية أن لا تهان لأنك قلت رأيك، أن لا تكسر لأنك اختلفت، أن لا تسحق لأنك حلمت بحياة أعدل. لكنها هنا تعامل كجريمة، وكأن مجرد المطالبة بها فعل خيانة.

