ليس السؤال عمّا تقوله العاصمة الرياض، بل عمّا تُقرِّره. ففي قاموس الدول الكبرى، الكلام يمرّ، أمّا القرار فيصنع أثره. فحين تُقرّر الرياض، لا تفعل ذلك بدافع ردّة فعل، ولا تحت ضغط لحظة، بل من موقع قراءةٍ عميقةٍ للمشهد، ووعيٍ بطبقات الزمن، وإدراكٍ دقيقٍ لموازين القوّة والمصلحة. فالقرار السعودي لا يُولد في العناوين العاجلة، بل في غرف التفكير، حيث تُوزن الاحتمالات، وتُقدَّم مصلحة الدولة على صخب اللحظة. فالرياض لا تبحث عن التصفيق، ولا تُغريها لغة الاستعراض، فهي تُدرك أنّ القرار الحقيقي هو الذي يصمد بعد الضجيج، ويثبت حين تهدأ العناوين، ويظل قائمًا حين تتبدّل المواقف. وحين تُعلن الرياض قرارها، فهي لا تغيّر مسارًا داخليًا فقط، بل تعيد ترتيب الإيقاع من حولها، حيث تلتفت العواصم، تُراجع الحسابات، وتفهم أنّ ما صدر ليس موقفًا عابرًا، بل اتجاه دولة. وتضيف الرياض على القرار معنى آخر، أنّ السيادة لا تُشرح، بل تُمارَس، وأنّ الحكمة ليست تردّدًا، بل اختيارًا محسوبًا في التوقيت الأشدّ حساسيةً، وأنّ الصمت أحيانًا جزء من القرار كما أنّ الحسم أحيانًا ضرورة لا تحتمل التأجيل. فالقرار السعودي لا يُستعار، ولا يُفرض عليه مساره من خارج حدوده، إنّه قرار يعرف ماذا يريد، ومتى يتقدّم، ومتى يترك الزمن يعمل لصالحه. لهذا، لا يُقاس القرار السعودي بوقته، بل بنتيجته، ولا يُفهم بسياقه الآني، بل بما يحميه من الاستدامة والاتّزان. والسؤال الحقيقي إذًا ليس ما الذي قيل؟ بل ما الذي تقرّر ولماذا الآن؟ وهنا تحديدًا، تكون الإجابة سعودية.
فهي سيادةٌ تمشي على قدمَي وعي، وقوّةٌ هادئةٌ تعرف متى تُمسك بزمام اللحظة، ودولةٌ إذا قالت فعلت، وإذا صمتت كان صمتها فعلًا، وإذا قرّرت رسمت للمنطقة مسارًا لا يُخطئ البوصلة، لأنّ القرار خرج من قلب دولةٍ تعرف وزنها، وتُدرك متى يكون الحزم رسالةً، ومتى يكون الصمت قرارًا.

