أعتقد لا أجمل في وصف أطلال غصيبة من هذا التعريف المنقول بتصرف من العم عبدالعزيز الدغيثر صاحب الاختصاص الدقيق في تاريخ غصيبة، أبتدئ به عنوان مقالي..
غصيبة.. هذا المكان شاهد عظيم ومجيد على ولادة الدرعية عاصمتنا التاريخية والثقافية منذ ما يقارب ٦٠٠ عام على يد الأمير مانع المريدي (الجد الثالث عشر للملك سلمان) ومن ثم ولادة الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود (الجد الخامس للملك سلمان).
كثير من زوار الدرعية على مدار الأعوام الماضية يظنون أن في حي الطريف التاريخي، وهو لا شك منبع للرجال الأبطال من الأئمة والملوك، وهو كذلك لا شك مصنع سعودي للرجال خرجت منه قيادات عظيمة للدولة السعودية الأولى، بل كذلك قيادات للدولة السعودية الثانية، ومنهم الإمام تركـي بن عبدالله (الجد الثالث للملك سلمان) والإمام فيصل بن تركـي (فخر الأسرة السعودية المالكة)، وجميعهم من مخرجات ذلك الحي العظيم.
لكن قصة سعودية ابتدأت من غصيبة هي الأصل الأول والنواة الأولى للأسرة السعودية المالكة والدولة السعودية، وهي جزء عظيم لا يقل شأنه عن حي الطريف التاريخي في تخربج أجيال من الأسرة السعودية المالكة، الأجيال الأوائل من آل مقرن في القرن الخامس عشر الميلادي حتى مطلع القرن السابع عشر الميلادي.
غصيبة وأطلاله الشامخة والمهيبة على وادي حنيفة لا يقل جمالاً عن حي الطريف وإطلالته الجميلة على الوادي..
غصيبة من ضمن الدرعية التاريخية القديمة، يتربع على قمة هضبة على الوادي (وادي حنيفة) محاطاً به من ثلاث جهات، وعلى شكل رأس مثلث طبيعي في زاويته المطلة على الوادي.
ثمة قصة تاريخية وأطلال أثرية يجب اكتشافها وإبرازها، ابتدأت فصول أحداثها العظيمة حين اقتطع ابن دع لابن عمه مانع غصيبة والمليبيد؛ لذلك يعدّ غصيبة أقدم حي سكني مذكور في المصادر التاريخية عن الدرعية.
واستمر حكم ذرية الأمير مانع المريدي وصولاً إلى آل مقرن في حي غصيبة ما يقارب ثلاثة قرون من منتصف القرن الخامس عشر الميلادي إلى مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، وانتقل بعد ذلك الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى إلى سمحان بعد توحيد الدرعية وأحيائها التاريخية في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي.
ثم أصبح حي غصيبة سكناً لأسرة آل دغيثر الذين هم كذلك من بني حنيفة بعد خروج الأسرة السعودية المالكة إلى سمحان ومنه إلى حي الطريف في منتصف القرن الثامن عشر.
ومن أشهر ما ذكرته المصادر عن غصيبة - وتحديداً المؤرخ المعاصر لتاريخ الدولة السعودية الأولى - هو وجود قصر الإمام سعود بن عبدالعزيز في حي غصيبة، ووجود باب حديد في ذلك القصر، وكان محل استغراب لدى المؤرخ المعاصر والمؤرخين المحليين الآخرين وكذلك لي، وهذا يقودنا إلى عدة أسئلة تُطرح عن سبب وجود باب الحديد في ذلك القصر، ليس باباً مصنوعاً من خشب الأشجار المحلية كما هو معتاد في المنطقة؟ وعن وجود قصر الإمام في ذلك الحي القديم لأجداده هل هو ارتباط وجداني بموطن أجداده الأوائل من آل مقرن؟ وهل هو قصر كان قائماً لأجداده واحتفظ به الإمام؟ وكذلك هل تكرّر اسم باب غصيبة في بعض البلدات النجدية بعد ذلك تيمّناً بقيمة باب ذلك القصر وجودته؟
ذكرت المصادر أحداثاً عظيمة عن المقاومة الباسلة للعدوان التركي في أحد معاقل الدرعية غصيبة، ومن ضمنه قصة قيادة الأمير سعد بن عبدالله بن سعود في قصر جدّه الإمام وأنها لمحات من المقاومة والاستبسال كانت موجودة فيها، سواء من ذلك الأمير أو ممن معه من آل دغيثر.
إن قصة غصيبة يجب أن تروى وتبرز، وخصوصاً من قبل المؤرخين والآثاريين بالتنقيب عنها وتحليل تلك الأحداث التاريخية لأقدم موطن ثابت للأسرة السعودية المالكة في الدرعية منذ ٦٠٠ سنة.

