: آخر تحديث

مئوية الدستور... سؤال الجماعة أم الدولة؟

6
5
5

في مئوية الدستور اللبناني، خاطب وزير الثقافة اللبناني الدكتور غسان سلامة اللبنانيين، أفراداً وجماعات، طوائفَ وأحزاباً، مؤكداً أنَّ «الدستور نصّ سامٍ، لكنَّه ليس كتاباً مقدساً»، ومقرّاً بشرعية التفكير في تعديله، شرط أن يكون الهدف وطنياً شاملاً، وأن يصبَّ في تعزيز المؤسسات، لا أن يأتي نتيجة اعتبارات فئوية أو تسويات ظرفية.

لكن سلامة، بواقعيته المعهودة، أقرّ بأنَّ الواقعَ اللبناني جعل لبنانَ أمام «دستور مركّب»، إذ شهد تاريخه باستمرار شدّاً بين منطق المواطنة والانتماء إلى الجماعات.

عملياً، ألقت هذه الثنائية بثقلها على ما يمكن وصفه بمتلازمة الكيان والصيغة، حيث شعرت كلُّ جماعةٍ بغلبة ما، أو سعت إلى الحفاظ على امتيازات ما. والجماعة الشيعية ليست استثناءً؛ وفي لحظتها الحرجة، تعيد فتح سؤال علاقتها بالكيان والصيغة وناظمها الدستوري.

حتى الآن، تتمسّك نخب «اليمين» الشيعي العقائدي برواية «الغبن» الذي تعرّضت له الجماعة عند تأسيس الكيان اللبناني عام 1920، وتحمّل النخب الشيعية التقليدية مسؤولية تهميش دورها وحضورها في دولة الاستقلال عام 1943، من دون الأخذ في الاعتبار تطوّر الجماعة نفسها، من البيوت السياسية التقليدية قبل الاستقلال إلى صعود القوى اليسارية والقومية والشيوعية بعده، وصولاً إلى السيد موسى الصدر.

ومنذ الاستقلال، انخرطت النخب الشيعية في الحياة الدستورية، ساعيةً إلى تصحيح التمثيل والمشاركة والإنماء من داخل الدولة، لا إلى الخروج منها. ومع التحوّلات الاجتماعية، اتّسع الحضور الشيعي من الزعامات التقليدية إلى مجتمع سياسي جديد، كان اعتراضه في جوهره على الحرمان واختلال المساواة أكثر منه اعتراضاً على الدولة، قبل أن يمنح السيد موسى الصدر هذا المسار إطاراً سياسياً واجتماعياً شيعياً أكثر وضوحاً.

جاء اتفاق الطائف لينهي الحرب، فيما كان الشيعة قد خرجوا منها بقوة اجتماعية وسياسية وعسكرية أكبر بكثير مما كانوا عليه عام 1943، من دون أن يترجم الاتفاق هذا التحوّل تعديلاً موازياً في بنية السلطة. لذلك، بقيت العلاقة بالطائف موضع نقاش شيعي شيعي، خصوصاً لدى نخب رأت فيه تسوية لم تستوعب بالكامل غلبة سابقة ولا صعوداً جديداً.

لكن الشيخ محمد مهدي شمس الدين واكب هذا التحوّل بانتقاله من اعتبار الطائف «اتفاق الضرورة» إلى اعتباره «اتفاق الاختيار»، داعياً إلى إصلاح عيوبه وتطبيقه بأمانة، ومؤكداً أن الشيعة مكوّن أساس في لبنان الوطن والدولة، لا جماعة استثنائية في علاقتها بالدولة. أما السيد هاني فحص، فركّز على الوجه الآخر للصعود الشيعي، داعياً إلى إعادة الاعتبار للدولة، والتمسّك بالصيغة اللبنانية، ورفض غلبة الطائفة عليها، طارحاً السؤال الأصعب: ماذا يحدث للاجتماع اللبناني عندما تنتقل جماعة من موقع الشكوى من الضعف إلى موقع القوة؟

ومنذ 2005، برز في أدبيات «اليمين» الشيعي العقائدي سؤال القوة: إذا كان السلاح فائض قوة خارج الدولة، فهل يمكن تحويله إلى قوة دستورية داخلها؟ وهكذا ظهرت، في بعض الأروقة، معادلة «السلاح مقابل الدستور»، أي تسليم السلاح للدولة مقابل توسيع الحضور الشيعي في مؤسساتها، بما يعوّض عن غلبة سابقة أو عن صعود لم ينعكس، في نظر أصحاب هذا الطرح، في بنية السلطة.

وعليه، من ذروة الصعود إلى سؤال الانكفاء، يواجه اليمين الشيعي الطائفي والعقائدي مأزق تراجع خطابه، فيما تدفع الجماعة الشيعية ثمن مغامراته. أما الدولة والدستور، فلا يزالان نصوصاً ومؤسسات قابلة للتعديل والتوسيع، ولكن بعيداً عن اختبار القوة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد