أعلن رئيسُ مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين الماضي، انطلاقَ عملية «فجر اليمن» بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاءَ وإنهاءِ انقلاب جماعة الحوثي المدعومة من إيران، وجاءَ الإعلان بعد أكثرَ من عقد على الصراع، وبعد سنوات من محاولات للتهدئة والتفاوض التي لم تنجح في الوصول إلى حل ينهي الأزمة.
اليمن شهدَ صراعات مستمرة منذ سنين عديدة، إلا أنَّه منذ عام 2022 عاش حالةً من الهدوء الهش، وفتح بابَ التفاوض أمام مسارٍ سياسي رعته الأمم المتحدة، وصولاً إلى محاولة رسم خريطة طريق للحل، إلا أنَّ ذلك المسار واجه انتقادات واسعة، ليس فقط بسبب بطء التقدم، وإنَّما أيضاً بسبب تجربةٍ طويلة من المبادرات والاتفاقات التي لم تستطع إنهاءَ الأزمة أو إلزام الحوثيين بما تم الاتفاق عليه، وربما كان للمجتمع الدولي دورٌ سلبيٌّ في ذلك، واتفاق استوكهولم عام 2018 كانَ أحد أبرز الأمثلة، لأنَّه حينما كانت القوات اليمنية الشرعية تقترب من استعادة مدينة الحديدة مورست ضغوط سياسية لإنهاء المسار العسكري لتتوقف بعدها المعركةُ وتمنع القوات اليمنية الشرعية من التقدم وللأسف كانَ من دون حل سياسي، فماذا حصل بعد ذلك؟
الذي حصل أنه تعدَّدت التشكيلات والقوى اليمنية، وتداخلت الطموحاتُ المحلية مع الحرب على الدولة، مما جعل المعركة أكثرَ تعقيداً، خصوصاً مع طموحات ضيقة لبعض المكونات، ليكون من الصعب أن تتقدم معركةُ استعادة صنعاءَ، بينما جزء من حلفاء الشرعية يتنازعون النفوذ في عدن والمكلا ومناطق أخرى، حيث إنَّه لا يمكن لدولة أن تخوض معركة تحرير عاصمتها صنعاء، في حين تتوزَّع الجبهةُ الداخلية بين مشاريعَ سياسية وعسكرية ضيقة، لذلك كان توحيد الصَّف اليمني وإعادة ترتيبه أولويةً قصوى تستبق أي مواجهة واسعة مع المتمرد الحوثي.
وبعد ذلك، تغيرت المعادلة بشكل واضح مع اندلاع الحرب الأميركية ـ الإيرانية، وإعلان الحوثي انضمامَه للحرب الإقليمية مصطفاً مع طهران من دون النظر لمصالح اليمن وأهله، لتتحوَّل الحربُ من شأن يمني داخلي، لتصبح جزءاً من مشروع إقليمي واسع يهدّد الإقليمَ والأمن العالمي وقبلهما اليمن، وتصبح أداةً في صراع يتجاوز حدودها، ثم تطوَّر الأمر ليهاجم الحوثي السعودية ودول الخليج رغم أنَّها ليست طرفاً لا في الصراع الإقليمي ولا اليمني، وبعد ذلك أصبحت جماعة الحوثي تهدّد الملاحةَ الدولية والمضايق المائية، وفي مقدمتها «باب المندب» بعد السيطرة على منطقة المخا وذو باب.
وجاءَ اجتماعُ مجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة رشاد العليمي ليؤكد أنَّ الحكومةَ اليمنية قدَّمتِ العديد من المبادرات لإنهاء الصراع في محاولة لضبط النفس وفتح الطريق أمام الحلّ السياسي، إلَّا أنَّ استمرارَ المتمردين الحوثيين في مواقفهم، وارتباط قرارهم بقوى إقليمية، جعلا مسار التفاوض بلا جدوى وأمام طريق مسدود.
ولهذا جاءت عملية «فجر اليمن» بدعمِ قوات التحالف نتيجة لمسار طويل، وليست قراراً مفاجئاً، فالحرب لا تبدأ عندما تفشل المفاوضات فحسب، وإنَّما عندما يصبح استمرارُ الوضع القائم أكثرَ خطراً من تغييره، ولا يمكن لدولة أن تخوض حرباً ناجحة ضد ميليشيا من دون جبهة داخلية متماسكة، كما لا يمكن لميليشيا مرتبطة بمشروع إقليمي أن تبنيَ دولةً مستقرة.
من هنا جاءت أهميةُ دعم مؤسسات الدولة اليمنية وتوحيد القوى التي تقاتل تحت راية الجمهورية اليمنية، مع إبقاءِ باب العودة مفتوحاً أمام اليمنيين الذين انخرطوا في صفوف الحوثيين.
اليمن اليوم يحتاج إلى حسمٍ نهائيّ لحالة الفوضى التي عطلت دولته لأكثر من عقد، وإذا كانت عملية «فجر اليمن» انطلقت الآن، فإنَّ الاختبارَ الحقيقيَّ ليس في استعادة الأرض فقط، وإنَّما في استعادة الدولة، وألّا يكون اليمن ساحةً لمشروع إقليمي أكبر من قدرته أو ورقة في صراع الآخرين.

