وسط مشهد معقد تعيشه منطقة الخليج العربي منذ شهور وإلى اليوم، جراء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية من جانب، وإيران وأعوانها بالمنطقة من جانب آخر، تواصل المملكة -باعتبارها دولة كبرى ومحورية- القيام بمسؤولياتها كاملة، لإنهاء هذه الحرب في أسرع وقت، والقضاء على تداعياتها، التي أربكت حياة شعوب المنطقة، وامتد تأثيرها السلبي إلى المشهد الاقتصادي العالمي، بسبب التهديدات المستمرة للممرات الملاحية الدولية.
ولأنها دولة محبة للسلام، لطالما سعت المملكة وبذلت الجهود لإحلال الوفاق والاستقرار بالمنطقة، وأثمرت هذه الجهود عن عقد اتفاق بين واشنطن وطهران الشهر الماضي، لم يستمر طويلاً، وعاد الطرفان للقتال مجدداً، وهنا، كان لازماً على المملكة أن تقوم بواجبها في حماية الملاحة بالمنطقة، وأعلنت عن تأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، بهدف تعزيز القدرة الجماعية على مواجهة وردع التهديدات التي تستهدف الأمن البحري، ويحمي الممرات البحرية الدولية، ويضمن حرية الملاحة والتجارة العالمية، ويرسخ الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
إقدام الرياض على تأسيس هذا التحالف في هذا الوقت، هو نتاج قراءة سعودية دقيقة، لتفاصيل المشهد في المنطقة، وتوقعات ما يمكن أن تشهده المنطقة من أحداث مستقبلاً، ومواصلة التهديدات للممرات الملاحية بالمنطقة، ما يتطلب من الدول المنضمة للتحالف، أن تتعاون فيما بينها، لحماية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب وخليج عدن، والتصدي للتهديدات البحرية، لتكون في مأمن من أي نزاعات مستقبلية.
الدعم الدولي الكبير الذي حظي به التحالف البحري متعدد الجنسيات، يترجمه انضمام أربع عشرة دولة إليه حتى الآن، وهو ما يعكس مكانة المملكة الإقليمية والدولية، وقوة تأثيرها، والثقة في مقدراتها وخبراتها، التي تؤهلها لقيادة مثل هذا التحالف، مع إدارة عملياته وبرامجه من مقره بالمملكة، بما يضمن سلامة الملاحة الدولية في المنطقة، مع فتح الباب لانضمام دول أخرى إلى هذا التحالف.
لم تكتفِ المملكة بتأسيس هذا التحالف، وإنما حرصت على الإعلاء من شأنه، ما يسهم في فعاليته وتأثيره، وزيادة الدول المنضمة إليه، وذلك بتحديد أهدافه ومبادئه ومرتكزاته، بالتأكيد على أن هذا التحالف يمثل مبادرة دفاعية دولية مفتوحة، تتسع لجميع الدول التي يمكنها أن تشارك فيه، وفق إجراءاتها الوطنية، بما يعزز الأمن البحري الجماعي، ويصون حرية الملاحة والتجارة العالمية، ويجسد مبدأ تقاسم المسؤولية الدولية في مواجهة التهديدات المشتركة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الممرات البحرية الدولية مسؤولية جماعية، تتطلب شراكة دولية فاعلة ومستدامة.

