دفعت الكويت ثمناً باهظاً في قضية «الداو» في ديسمبر عام 2008، حين أُلغيت الصفقة بشكل مفاجئ، بعد أن تم توقيع اتفاقية المشروع بين شركة الصناعات البتروكيماوية الكويتية وشركة داو كيميكال.
عام ٢٠٠٨ وبعد إعلان الصفقة، تصاعدت معارضة عدد من أعضاء مجلس الأمة، ولوح بعضهم باستجواب رئيس الوزراء إذا لم تُلغَ الاتفاقية قبل دخولها حيز التنفيذ في الاول يناير 2009.
ورغم ان مشروع الداو لم يُعرض على مجلس الأمة للتصويت بالموافقة أو الرفض، فإن ما حدث هو ضغط سياسي وتهديد بالاستجوابات، ثم اتخذ مجلس الوزراء قرار الإلغاء قبل أن تصل القضية إلى تصويت داخل المجلس.
بعدها عقد مجلس الوزراء اجتماعاً استثنائياً، وقرر إلغاء الصفقة قبل أيام فقط من موعد التنفيذ.
ثم دفعت شركة الصناعات البتروكيماوية الكويتية ما يقارب ملياري دولار كغرامة.. في تسوية نهائية، بعد حُكم التحكيم الدولي، وهو ما يعادل ستمئة مليون دينار كغرامة.
لا شك فيه، ان صورة الكويت الاستثمارية آنذاك تضررت بسبب اللجوء للقضاء الدولي بعد إلغاء الاتفاقية التي سبق التوقيع عليها.. ما تسبب في خسارة الجانب الكويتي ماليا، وتأثير سلبي في سمعة الاستثمار الدولي في الكويت.
الدرس المهم الذي يربط بين قضية «الداو» وأي مشروع استراتيجي جديد مثل صفقة مشروع «شاهين»، التي أُعلن عنها، أخيرا، هو أن الاستثمار لا يحتاج فقط إلى جدوى اقتصادية، بل يحتاج أيضاً إلى استقرار القرار السياسي.
مثل هذه الخطوات الاقتصادية الكبيرة يكون المطلب الاول والمهم لتوقيع الدولة اتفاقيات بمليارات الدولارات هو الثقة الدولية ببيئة الاستثمار.. فخسائر التراجع او الغاء الصفقة لا تكون مالية فقط، فهناك تداعيات سلبية على الثقة بالبيئة الاستثمارية في الكويت.
بنود صفقة مشروع «شاهين» تنص على أن ملكية خطوط انابيب النفط بالكويت والسيطرة التشغيلية فيها هي بالكامل بيد شركة نفط الكويت، ويتم تأجير الانابيب وإعادة تأجيرها، مع احتفاظ الكويت بنسبة 51% في الشركة المشتركة، وللتحالف الاستثماري 49%، وذلك بغرض توفير سيولة لتمويل مشاريع رأسمالية.
ما الذي يجمع بين صفقة «الداو» ومشروع «شاهين»؟
وربما يكون الدرس الأهم الذي يربط بين الصفقتين، وكما ذكرت اعلاه، هو ان أي مشروع استراتيجي جديد، او اي استثمار دولي، لا يحتاج فقط إلى جدوى اقتصادية، بل يحتاج أيضاً إلى استقرار القرار السياسي.
في مثل هذه الخطوات الاقتصادية الكبيرة يتأكد لنا ان الكلفة في هذه الاحوال لا تكون مالية فقط، بل تمتد إلى الثقة الدولية ببيئة الاستثمار.
لو كان مجلس الأمة قائماً، اليوم، بنفس تركيبته عام ٢٠٠٨، لازدحمت صفحات الصحف بالجلسات الساخنة في المجلس، وطلبات الاستجواب، والتحقيق.
وقد لا يُرفض المشروع، ولكنه ربما يتأخر أشهراً طويلة. وما يؤدي الي تعطيله وتجاوز المدة المقررة له، وعلى الأرجح كان سيمر بمرحلة سياسية أكثر صعوبة وجدلاً.. ويستهلك من الوقت اشهراً طويلة.
اعقب الاعلان عن صفقة «شاهين» ردود فعل مختلفة ما بين المؤيد والمعارض، اشترك فيها العارف والملم بالموضوع.. والجاهل فيه.
ما نخلص اليه في موضوعنا، ان المشكلة ليست دائماً في توقيع العقد، ولا في إلغائه، بل في كيفية إدارة القرار منذ خطواته الاولى، والشفافية في الشرح وطرح المعلومات في كل القنوات المتاحة،
يبقى السؤال مطروحا ومشروعا، هل كانت صفقة مشروع «شاهين» ستكون «داو» اخرى.. لو كان مجلس الامة موجودا اليوم بعناصر التأزيم فيه؟؟
أترك الاجابة لكم.
إقبال الأحمد

