: آخر تحديث

من صيد الخاطر: إياك ومصاحبة الأحمق والسفيه والجاهل

2
2
2

«إياك ومصاحبة الأحمق، والسفيه، والجاهل»، فلن يأتيك منهم إلا البلاء والمضرة والمشاكل.

فالأحمق كسد عقله حتى أصبح ضرراً عليك، وانقلب ما نواه منفعة إلى ضرر كارثي عليك، فهو كمثل الدب الذي هشّم رأس صاحبه ليبعد عنه ذبابة، إنه يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، لا نفع ولا فائدة من الجدال معه، فالهروب من مواجهته أسلم من صحبته.

أما السفيه فهو خفيف العقل والتدبير، فهو يفسد في ماله وفي قوله دون أن يعي عواقب ما يقول ويفعل، تغلب عليه بذاءة اللسان. والسفيه في المنظور الشرعي هو مَن لا يحسن التصرف، ويغلب عليه الطيش، والتمادي فيه، ولذلك من الأفضل مداراته اتقاءً لشره، أو تجاهله حفاظاً على وقارك، حتى أن الإسلام شرع الحجر على مال السفيه حمايةً له ولورثته، حتى قال فيه الشاعر:

فَاتْرُكْ كَلامَ السَّفِيهِ وَلا تُجِبْهُ 

فَإِنَّ صَمْتَكَ عَنْهُ هُوَ الجَوَابُ

وَصَاحِبْ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَبِعَقْلِهِ 

فَإِنَّمَا العَقْلُ لِلْمَرْءِ جِلْبَابُ

وأما الجاهل فهو الذي لا يعلم بأي شيء، ولا عن أي شيء، لا يستوعب ما يدور من حوله من حقائق، ولكنه الأقل ضرراً والأهون شراً من الأحمق والسفيه، متميزاً عنهما بأن هناك بارقة أمل لأن يتعلم إذا ما اعترف بجهله، فالجهل مرضٌ يمكن علاجه بالتعلم عندما تغلبه الحجة وينوّره البيان، ولكن يفضل الإعراض عنه لقوله تعالى: «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا».

الفرق بين السفيه والأحمق أن السفيه قد يكون ذكياً يغلب عليه الطيش، أما الأحمق فإدراكه للواقع فاسد. العرب كانوا يُحَذرون من الأحمق، فقالوا: «اهرب من الأحمق، فإنما هو ثوب خلق، كلما رقعت منه جانباً انشق منه جانب آخر»، واعتبروا مصادقته بلاءً يفوق خطر السفيه أو الجاهل، فقد تعرف السفيه فتتقيه، والجاهل قد تعلمه فيرتدع، أما الأحمق فمشكلته في خطورة نيته، يريد نفعك، ولكن سوء تقديره يوردك المهالك.

وقد قيل عن الأحمق: «عدوٌّ عاقل خيرٌ من صديق أحمق»، فالعدو العاقل يمكنك التنبؤ بردود فعله ومواجهته، أما الصديق الأحمق فيقتلك من حيث أراد حمايتك، وقيل عنه: «لكل داء دواء إلا الحماقة أعيت من يداويها». عيسى بن مريم، عليه السلام، نُسب إليه هذا القول: «قدرتُ على إحياء الموتى، ولم أقدر على معالجة الأحمق»، وقال الأصمعي: «إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فانظر إلى مَن يصاحب، فإن الأحمق لا يصاحب إلا مثله».

كفانا الله شر الثلاثة، الأحمق والسفيه والجاهل، وأبعدنا عن مصاحبتهم، فهم أساس تقهقر الأمم وبلائها إذا ما وُسِّدت إليهم أمورها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد