يقول روبرت كاغان، المؤرخ والكاتب والمحلل السياسي الأمريكي البارز، الذي يُعد أحد أبرز مُنظّري حركة «المحافظين الجدد»، وصاحب رؤية «القرن الأمريكي» الداعية للهيمنة والتدخل العسكري الأمريكي لفرض الديموقراطية، وكاتب العمود الشهير في «واشنطن بوست»: «لن تكون هناك عودة إلى الوضع السابق، ولن يكون هناك انتصار أمريكي نهائي يُصلح أو يتجاوز الضرر الذي لحق بالبلاد، ولن يُفتح مضيق هرمز، بوضعه السابق نفسه. فمع سيطرة إيران على المضيق، برزت كلاعب رئيسي في المنطقة، ويتعزّز دور الصين وروسيا، حليفتي إيران، بينما يتضاءل دور الولايات المتحدة بشكل كبير، كما أن عجزها عن وضع حد للحرب سيؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل عالمياً، حيث يتكيف الأصدقاء والأعداء مع فشل أمريكا، في تغيير أو إسقاط النظام الإيراني، أو انتزاع أي تنازلات منه. فهذا النظام الذي أسكت الاحتجاجات في يناير، لن يتردد في فرض مصاعب اقتصادية عليهم الآن».
ولذلك، يدعو بعض مؤيدي الحرب إلى استئناف الضربات العسكرية، لكنهم لا يستطيعون تفسير كيف ستُحقق جولة أخرى من القصف ما لم تُحققه الجولة الأولى، كما سيؤدي المزيد من العمل العسكري حتماً إلى رد إيراني على الدول المجاورة، ولا يملك مؤيدو الحرب رداً على ذلك أيضاً. فترامب لم يوقف الهجمات الأولى لشعوره بالملل، بل لأن إيران كثفت من اعتداءاتها على منشآت النفط والغاز في المنطقة، ويمكن لبضع ضربات فقط أن تشلّ البنية التحتية للنفط والغاز في المنطقة لسنوات، إن لم يكن لعقود، ما سيُدخل العالم، والولايات المتحدة، في أزمة اقتصادية طويلة الأمد، وحتى لو أراد ترامب قصف إيران كجزء من استراتيجية انسحاب، مُظهِراً الحزم كوسيلة لإخفاء تراجعه، فلا يمكنه فعل ذلك دون المخاطرة بكارثة، إن لم تكن هذه نهاية المطاف، فهي قريبة منها.
ويرى كاغان أن انهيار النظام الإيراني ليس استراتيجية ناجحة، خاصةً بعد أن صمد، مع تفاقم النقص العالمي في الغذاء والسلع الأساسية، ولا يبدو أن هناك أي حل بغير انسحاب أمريكي مشرّف. بخلاف ذلك، على أمريكا خوض حرب برية وبحرية شاملة لإزاحة النظام، وتشكيل حكومة جديدة، لكن على ضوء كل السيناريوهات، فإن فشل الخطط يبدو مرجحاً، وإيران غالباً لن تتخلى عن المضيق، بسهولة، كما أنها تدرك أن الإسرائيليين قد يشنّون عليها هجوماً مفاجئاً. ومن جهة أخرى، لا يمكن، دولياً وأمنياً، التسليم لإيران بالسيطرة الكاملة على هرمز، ستجد إسرائيل نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، في ظل ازدياد ثراء إيران، وإعادة تسليحها، واحتفاظها بخياراتها لامتلاك سلاح نووي، وستواجه ضغوطاً دولية لعدم استفزاز طهران في لبنان أو غزة.
كما كتب الباحثان ريويل جيرشت وراي تاكيه، بأن اقتصادات دول الخليج العربية بُنيت تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، فإذا ما أُزيلت هذه الهيمنة، مع زوال حرية الملاحة في الخليج، فستضطر هذه الدول إلى مراعاة مطالب طهران، لعلمها بأن لا قوة تستطيع القيام بما عجزت الولايات المتحدة عن القيام به، وستكون للهزيمة الأمريكية في الخليج تداعيات عالمية أوسع نطاقاً. فالعالم أجمع يرى كيف أن أسابيع قليلة من الحرب مع دولة من العالم الثالث، قد خفضت مخزون الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة، دون وجود حل سريع في الأفق، وقد تدفع التساؤلات التي يثيرها هذا الوضع حول مدى استعداد أمريكا لخوض صراع كبير آخر، حين تشن الصين هجوماً على تايوان، أو يقوم بوتين بتصعيد عدوانه على أوروبا؟
أحمد الصراف

