: آخر تحديث

حرب من دون مدافع

5
6
5

الحرب العالمية الثالثة التي يتوجس ويتخوف منها الكثير بفكرهم التقليدي، لن تكون بخنادق تقليدية، ولا جبهات ثابتة، ولا جيوش جرارة تتقدم على الأرض كما عرف التاريخ سابقًا.

في العالم الجديد، البقاء لن يكون للأقوى عسكريًا فقط، بل للأكثر استعدادًا، والأذكى في إدارة القوة والصمود الاقتصادي، وإدارة الأزمات، وحماية الداخل.

الضربة الأقوى في هذه الحروب لن تُرى بالعين، لكن آثارها يمكن ان تصيب كل بيت وكل اقتصاد وكل دولة. وما حصل في الستين يوما الماضية، دليل على ذلك، فالعالم اليوم تغيّر، وأدوات القوة تغيّرت، ومفهوم الحرب ذاته أصبح أكثر تعقيدًا ودهاءً وخطورة.

الحروب الكبيرة القادمة، تقوم على تحالفات متغيرة وسريعة حسب المصالح، حرب سيبرانية تشل الكهرباء والمطارات والبنوك، حرب اقتصادية تخنق الشعوب قبل الجيوش، حرب معلوماتية ونفسية تعبث بالداخل قبل الخارج، وطائرات مسيّرة وصواريخ دقيقة تضرب أهدافها خلال دقائق.

قد تبدأ الحرب في اي منطقة دون أن يسمع الناس دوي المدافع، لكنهم بالتأكيد سيشعرون بها فورًا حين تتوقف الحياة، وتتعطل الأنظمة، وتختنق الأسواق، ويصبح الأمن نفسه سلعة نادرة.

الأسلوب الجديد هو اكثر خطورة وقوة على استقرار العالم، رغم انه قد يكون أكثر فعالية من حيث السرعة والدقة والبعد عن الحاجة للحشود العسكرية التقليدية، لأن استهداف البنية التحتية والطاقة والاقتصاد قد يُسقط دولًا كاملة بعيدا عن اي احتلال فعلي لها. ولم تعد القوة فقط في عدد الجنود، بل في القدرة على تعطيل خصمك اقتصاديًا وتقنيًا ونفسيًا.

الأزمة الأمريكية - الإيرانية، ودخول إسرائيل طرفًا مباشرًا، ومحاولات جرّ الخليج إلى قلب المواجهة عبر استهداف النفط والمنشآت الحيوية، كشفت بوضوح أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة، ما يتطلب ذات الفلسفة في تعامل المنظومة الخليجية مع العالم كله.

صحيح أن التفوق العسكري والتقني يميل حاليًا لمصلحة أمريكا وإسرائيل، لكن إيران أثبتت أنها ما زالت قادرة على تهديد المصالح العالمية عبر الطاقة والممرات البحرية، ما يجعلها لاعبا مهما وخطيرا في تعطيلها حتى لو تضررت اقتصاديًا.

أما دول الخليج، فقد وجدت نفسها في قلب عاصفة لا ترغب بها، لكنها باتت تدرك أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية لم يعد كافيًا، وأن المرحلة المقبلة تتطلب بناء قوة دفاعية أكثر استقلالًا، وتنويع التحالفات، والاستعداد لعالم لا تحكمه الضمانات التقليدية وحدها.

الحرب العالمية الثالثة - إذا وقعت - لن تكون على الأرجح نسخة مكررة من الحربين العالميتين الأولى أو الثانية، لأن طبيعة القوة تغيّرت جذريًا، ورغم انها ستكون أكثر ذكاءً تقنيًا وأسرع وأشد تعقيدًا، الا انها قد تكون أكثر خطورة، لأن العالم اليوم مترابط اقتصاديًا وتقنيًا بشكل غير مسبوق.

‏هذا يتطلب أكثر جدية وقوة وسرعة في إعادة رسم سياسة المنظومة الخليجية بدولها الست، مع أي منظمة خارجية بتعدد دولها ومصالحها، انطلاقا من أمنها الوطني والاقليمي ومصالحها بكل اختلافاتها.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد