: آخر تحديث

جمهورية الكونغو... أسئلة الاستقرار والحكم الطويل

4
3
6

عادَ الهدوءُ إلى جمهورية الكونغو بعد أيام من الاحتفال بولاية جديدة من حكم الرئيس دينيس ساسو نغيسو، الزعيمِ الكونغولي الذي يحملُ معه أكثرَ من ستة عقود من الحضور والفعل السياسي، ما جعل بعضاً يطلقون عليه لقب «حكيم أفريقيا».

نغيسو البالغُ من العمر 83 عاماً لا يزالُ يحتفظ بحيويته السياسية وهو يستقبلُ ضيوفَ الاحتفال بإعادة انتخابه؛ رؤساء دول وممثلي منظمات إقليمية ودولية، وشخصيات دولية ذات أبعاد مختلفة، في مشهد يعكس مكانة الرجل داخل دوائر القرار الأفريقي والدولي، كما يعكس في الوقت ذاته استمرارية نموذج سياسي ظلّ يثير اهتمام المتابعين وتباينَ آرائهم؛ بين من يراه استقراراً ضرورياً، ومن يرى فيه امتداداً طويلاً للسلطة.

ربما يسمعُ كثير من المتابعين عن جمهورية الكونغو الديمقراطية أكثر مما يسمعون عن جمهورية الكونغو، فهما بلدان متجاوران، لا يفصل بينهما سوى نهر الكونغو الشهير، الذي يقسم عاصمتي البلدين، عن يساره برازافيل عاصمة جمهورية الكونغو، وعن يمينه كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ورغم التشابه والتداخل فإن جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر مساحة وأكثر اضطراباً، ما منحها شهرة أوسع بسبب الحروب الدائمة والصراع الدولي المحتدم على المعادن النادرة، في حين تتبدى صورة مختلفة إلى حدّ بعيد في جمهورية الكونغو، حيث استطاعت برازافيل أن تحافظ على قدر من الهدوء والأمن والسلم الاجتماعي، رغم الحروب والصراعات التي تحتدم في شبه المنطقة.

إن هذا الاستقرار كثيراً ما يُغفَل في تحليل ظاهرة الحكم طويل الأمد، فهذا الهدوء لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة توازنات دقيقة نجح الرئيس في إدارتها، سواء على مستوى النخب السياسية أو البنية الاجتماعية.

أحد مفاتيح فهم هذا الاستمرار يكمن في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالرئيس ساسو نغيسو، الذي يُعرف محلياً بلقب «ساسو» في صيغة تحمل قدراً من الألفة، استطاع بناء شبكة ولاءات سياسية وقبلية ومؤسساتية، جعلت من فكرة التغيير الجذري مغامرةً غير مضمونة النتائج بالنسبة لكثير من الفاعلين، لأن التاريخ القريب جداً مليء بالاضطرابات الناتجة عن الصراعات بين النخب.

هكذا، يبدو أن جزءاً من الاستقرار في الكونغو يرتبط بقدرة النظام على احتواء التناقضات بسلاسة، بدل التنكر الفظ لها وتفجيرها.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن العامل الاقتصادي، وإن كان هذا الأخير يظل نسبياً ومحل نقاش. فالبلاد، التي تعتمد بشكل كبير على الموارد النفطية، شهدت تحسناً تدريجياً في بعض المؤشرات، خصوصاً على مستوى البنية التحتية والخدمات الأساسية في المدن الكبرى؛ طرق، ومبانٍ إدارية، ومرافق عامة، كلها تعطي انطباعاً بوجود دولة قائمة، وهو عنصر نفسي وسياسي مهم في ترسيخ شرعية الاستمرار. ففي كثير من الحالات الأفريقية، لا يُقاس الأداء فقط بالأرقام، بل أيضاً بما يراه المواطن في حياته اليومية.

إلى جانب هذه العوامل الداخلية، برز بعدٌ آخر يعزز مكانة الرئيس ساسو نغيسو يتمثل في حضوره القاري ودوره غير المعلن في إدارة الأزمات. فالرجل الذي يلقّبه كثيرون في الأوساط السياسية بـ«حكيم أفريقيا» أصبح مرجعاً يلجأ إليه عدد من رؤساء الدول طلباً للاستشارة في القضايا السياسية المعقدة.

تعود هذه المكانة إلى تجربته الطويلة في الحكم، ومعرفته العميقة بتوازنات القارة، وقدرته على قراءة التحولات بهدوء وبراغماتية. ومن هُنا يجد بعض القادة في خبرته رصيداً يمكن الاستفادة منه بعيداً عن الأضواء، تلبيةً لحاجة أفريقيا إلى وساطات موثوقة واستشارات نابعة من الخبرة المحلية.

غير أن هذا النموذج لا يخلو من مفارقات. فكما أن الاستقرار يُقدَّم بوصفه أحد أبرز إنجازات الحكم، فإنه في الوقت ذاته يطرح أسئلة حول حدود التعددية السياسية، ودور المؤسسات، وإمكانية التداول السلمي على السلطة. وهنا - تحديداً - يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار دون أن يتحول إلى جمود سياسي؟ وكيف يمكن تطوير النظام دون الإخلال بالتوازنات التي يقوم عليها؟

المقارنة مع دول أخرى في شرق وغرب أفريقيا تبدو حاضرة في هذا السياق. ففي عدد من تلك الدول، أدى تعديل الدساتير أو محاولة تمديد فترات الحكم إلى أزمات سياسية حادة، بل إلى صراعات مفتوحة في بعض الأحيان. أما في الكونغو، فقد مرّ هذا المسار بأقل قدر من الاحتكاك، وهو ما يعزز فكرة أن السياق المحلي يلعب دوراً حاسماً في تحديد مآلات القرارات السياسية. لأنه ليس كل ما يفشل في بلد سيفشل في آخر، والعكس صحيح!

لكن هذا النجاح لا يعني غياب التحديات. فالشباب، الذين يشكلون نسبة كبيرة من السكان، يطرحون تطلعات جديدة تتعلق بفرص التكوين والتشغيل ودعم الأعمال، والحريات، والانفتاح على العالم. كما أن التحولات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الضغوط المرتبطة بالحكم الرشيد والإصلاحات، قد تفرض على النظام إعادة صياغة بعض مقارباته في المستقبل لفتح آفاق أكثر سعة في تطوير البنية التحتية والزراعة والتصنيع، والطاقة والسياسات البيئية.

في المحصلة، يمكن القول إن تجربة الحكم الطويل في جمهورية الكونغو تقدم نموذجاً أفريقياً خاصاً يقوم على مزيج من الاستقرار السياسي، والتحكم في التوازنات الداخلية، والاستفادة من الموارد الاقتصادية، إضافة إلى حضور دبلوماسي يجعل من رئيسها فاعلاً مؤثراً في الكواليس الأفريقية. هذا النموذج، رغم ما يثيره من جدل، يظل قادراً حتى الآن على الاستمرار، مستنداً إلى واقع محلي يختلف عن كثير من البيئات المحيطة.

وفي هذا السياق أعلنَ الرئيس «ساسو» عن نَفَسٍ جديد في الحكم لمواجهة التحديات، وهو يحتفل بمأمورية جديدة، ويبقى النجاح أو الإخفاق في ذلك هو الرهان الذي ينتظر «حكيم أفريقيا» في عالمٍ أصبح أكثر تقلباً وأقل قدرة على التوقع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد