في أزقة الرياض الواسعة، وبين شمالها المكتسي بالزجاج والرخام وجنوبها الضارب في عمق التاريخ، تبرز ظاهرة اجتماعية تثير الفضول؛ إنها «نزعة السويدي». فبينما يميل سكان الأحياء الحديثة إلى نسيان عناوينهم القديمة بمجرد توقيع عقد في حي «الملقا» أو «الياسمين»، تجد ابن «السويدي» يحمل حيه في حقيبة سفره، وفي نبرة صوته، وفي فخره الذي لا ينقطع.
يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مفهوم «الرأسمال الاجتماعي» (Social Capital)، فحي السويدي لم يكن مجرد تجمع سكني، بل كان بوتقة انصهار تشكلت في مرحلة الطفرة العمرانية الثانية في الرياض. في تلك الفترة، لم تكن البيوت مجرد صناديق مغلقة، بل كانت «الحارة» هي الامتداد الطبيعي للمنزل.
نشأ سكان السويدي في بيئة تميزت بـ»الكثافة الاجتماعية» العالية؛ حيث الجار يعرف تفاصيل حياة جاره، والأطفال يكبرون كإخوة في الشوارع. هذا التلاحم خلق نوعاً من «الهوية الجماعية» التي يصعب تفكيكها. في الأحياء الحديثة، يسود نمط «الفردانية»، بينما في السويدي، كانت «النحن» تسبق «الأنا». لذا، عندما ينتقل الفرد إلى حي آخر، هو لا ينتقل من مكان إلى مكان، بل يشعر بأنه «اقتُلع» من نسيج اجتماعي كان يمنحه الأمان والتقدير، فيظل متمسكاً بالانتماء لهذا النسيج كدرع حماية لهويته.
يتجاوز الأمر مجرد الحنين إلى الماضي، ما يسمى «النوستالجيا»؛ نحن نتحدث هنا عن «ارتباط المكان» (Place Attachment). يرى علماء النفس أن المكان الذي نقضي فيه طفولتنا ومراهقتنا يساهم في تشكيل «مخطط الهوية» لدينا.
بالنسبة لجيل السويدي، ارتبط الحي بمفاهيم «العصامية» و»الرجولة» و»الشهامة». هناك صورة ذهنية نمطية (إيجابية في غالبها) عن ابن السويدي أنه شخص «صامل» و»حق فزعة». هذا «البراند» أو العلامة التجارية الشخصية تجعل الفرد يتمسك بانتسابه للحي، لأنه يرى أن هذا الانتساب يمنحه صفات نفسية مرغوبة اجتماعياً. الفخر هنا ليس بالأسمنت، بل بالقيم التي يعتقد أن هذا الحي زرعها فيه.
هذه الظاهرة ليست حكراً على الرياض، بل نجدها في مجتمعات إنسانية أخرى شهدت نفس الظروف الاجتماعية؛ مثل حي «بروكلين» في نيويورك، برغم تحول الكثير من سكانه إلى مناطق أرقى، يظل لقب «Brooklynite» وساماً يحمله الشخص طوال حياته، مفتخراً بالخشونة والذكاء الاجتماعي الذي اكتسبه من شوارعها. كذلك حي «السيدة زينب» في القاهرة، يمثل نموذجاً للتعلق بالهوية الشعبية؛ حيث يظل ابن «السيدة» مرتبطاً بروح الحارة وقيمها مهما ارتقى في السلم الاجتماعي، معتبراً أن «الأصالة» منبعها هناك.
لماذا يفتقد سكان الأحياء الأخرى هذا الشعور؟ الفرق يكمن في «العمر العقاري» و»النمط المعيشي». الأحياء الجديدة في شمال الرياض، على سبيل المثال، صُممت لتكون مراكز سكنية وظيفية (للنوم والراحة)، بينما صُمم حي السويدي -عفوياً- ليكون مركزاً حيوياً للتفاعل. في الأحياء الحديثة، قد تسكن لسنوات دون أن تعرف اسم جارك، مما يجعل المكان مجرد «محطة» لا تترك أثراً في الوجدان، بينما في السويدي، كل ركن شارع هو «شاهد» على قصة أو ذكرى.
إن تعلق أهل السويدي بحيهم ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو تعبير عن حاجة إنسانية أصيلة للانتماء لكيان أكبر من الذات. إنهم يفتخرون لأنهم يشعرون أن «المكان» صنعهم، ولم يكتفِ بإيوائهم. هذا الوفاء للذكريات هو ما يحافظ على التوازن النفسي في عالم يتغير بسرعة البرق.. يقول الفيلسوف والشاعر الفرنسي غاستون باشلار في كتابه «جماليات المكان»: «إن البيت الذي وُلدنا فيه مرسوم فينا كأنه مخطط استقرار.. نحن نعيش في هذا البيت حتى بعد أن نتركه، إنه يسكننا بقدر ما سكنّاه».

