: آخر تحديث

ما الذي يدفع مواطناً للخيانة؟

5
4
4

أي نجاح للأجهزة الأمنية في القبض على أية عصابات خطرة أو خلايا تجسسية، يعتبر من الانجازات التي تتطلب الإشادة القوية، لدورها في إنقاد الوطن من شرور كبيرة، لما يتطلبه اختراق مثل هذه الخلايا والأوكار من جهد ومعرفة ومخاطرة. كما يتطلب الأمر تاليا عدم الاكتفاء بالقبض على المتورطين، بل ومعرفة دوافعهم، والسعي للقضاء على البيئة الحاضنة لجرائمهم، ومعالجة الخلل المجتمعي الذي أدى لانحرافهم.

* * *

ما الذي يدفع مواطنا ما، يفترض أنه يتمتع بكل خيرات وطنه، لأن يرتكب جريمة الخيانة، ويتعاون مع الأعداء؟ لا يوجد سبب واحد، بل مزيج من الدوافع النفسية والمصلحية والفكرية التي يمكن أن تدفع الإنسان لخيانة وطنه، ومن أهمها:

أولا، الشعور بالظلم أو الإقصاء، أو بأن حقوقه مسلوبة، أو مظلوم، فيلجأ للانتقام من «الدولة» عبر التحالف مع خصومها.

ثانيا، الطمع بالمكسب المادي الكبير، أو بوعود بامتيازات وحماية تحت مظلة من تعاون معهم ضد وطنه، وهذه نجدها عند من تتغلب الأنانية فيه على بقية النوازع.

ثالثا، القناعة الفكرية أو الأيديولوجية، كالولاء لنظام عقائدي دولي، مثل الشيوعية، فيبررون لأنفسهم التعاون مع العدو باعتباره خدمة لقضية أعلى، كتعاون خلية كيمبردج البريطانية مع الاتحاد السوفيتي.

رابعا، الكراهية الشخصية أو الثأر، نتيجة تجارب شخصية مع أجهزة الدولة، أو خسارة عائلية، يمكن أن تولّد حقدًا يجعل الشخص مستعدًا للتحالف مع أي طرف معاد لخصمه، ولو كان عدوًا خارجيًا.

خامسا، قيام أجهزة العدو باستغلال الفضائح، الديون، الانحرافات الأخلاقية أو القانونية لتجنيد الأشخاص؛ فيتم ذلك خوفًا من الفضيحة أو العقاب.

سادسا، أسباب نفسية، مثل البحث عن الاعتراف. فالشعور بالتفاهة يدفع البعض لأن يكون «مصدرًا مهمًا»، أو «عميلاً سرّيًا»!

سابعا، الولاء الديني او المذهبي، الذي يراه البعض أعلى أهمية وأجدر بالاستماع له، من الولاء للوطن وقيادته.

ثامنا، قد تكون المرأة، وراء ذلك، كما يقول المثل الفرنسي Cherchez la femme ورأينا ذلك خلال الحرب الباردة بين العملاقين، ومنها فضيحة وزير الدفاع البريطاني «بروفيومو» مع الفاتنة «كريستين كيلر».

* * *

ليس من السهل على أية دولة حماية نفسها تماما من الخونة والعملاء، لكن بإمكان أجهزتها وقوانينها تقليل تلك الاختراقات من خلال قوانين صارمة وفعالة، وأجهزة أمنية ذكية ومدربة، والأهم من ذلك استراتيجية وطنية حيوية وطويلة الأمد ومتعددة المستويات، تحظى بكامل الدعم الحكومي، يكون دورها ترسيخ مبادئ سواسية المواطنين في الحقوق والواجبات، والمساواة في الكرامة، وجعل الولاء الأول للدولة وقيادتها، مع تأكيد احترام التعدد العرقي والديني والمذهبي، وترسيخ ذلك في «ميثاق وطني للتسامح» يحظى بقبول ودعم الحكومة، ليكون مرجعًا للجميع.

كما يتطلب الأمر ترسيخ الهوية الوطنية من خلال مناهج التعليم، وجعلها تعلو على كل الهويات وترسيخ مبدأ: وطننا واحد، قيادتنا واحدة، علمنا واحد، وولاؤنا واحد. مع التعامل بشدة وحزم مع المحرضين ضد القبيلة أو الطائفة أو العرق، أو الداعين للعنف، مع ضمانات قانونية تحمي حرية التعبير والنقد الموضوعي.

إن نجاح أجهزتنا الأمنية اليقظة في القبض على الخلايا المتهمة بالتعاون مع العدو، لا يعني زوال الخطر، وبالتالي يتطلب الأمر التعامل معها بحزم وحكمة.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد