الفنُّ أهمُّ الصناعاتِ في مصر. وحاضرٌ حضوراً معتبراً في التقييم الاقتصادي، وقابلٌ للتوسع، وسوقُه راسخة، والطلبُ عليه متجدد. لكنَّه، قبل ذلك كله، أساسيٌّ في التأثير الثقافي وفي العلاقة بالهوية. أمَّا ما يمنحه الأفضلية، فهو تميزُ مصر فيه فعليّاً.
مشكلته الأساسية، رغم ذلك، أنَّه ينتمي إلى الصناعات الرقيقة. حساسيته عالية للعوامل المحيطة على امتداد طيفها، من المزاج العام إلى الثقافة المهيمنة، وصولاً إلى الحالة الاقتصادية والسياسية. وهو ما يجعله هدفاً سهلاً لمن يريد التأثير السلبي، وضحية جانبية لمن لا يكون ذلك غرضه، لكنَّه لا يحسن الإدارة.
من المفيد هنا أن ننظرَ إلى السينما بوصفها مثالاً تطبيقياً. ومن بين كلّ المؤشرات ذات القيمة، أعتقد أنَّ أكثرَها دقةً ودلالة هو عددُ دُور العرض لكلّ مليون من سكان الحضر، إذ يجمع هذا المؤشر حصيلة التفاعلات كلها: الاستثمار، والإقبال الاجتماعي، والإدارة، والأمن، والحال الثقافية.
في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، ومع الخطوات الأولى للصناعة، بلغَ هذا المؤشر نحو 12.7 سينما لكل مليون من سكان الحضر. ثم تضاعف تدريجياً خلال العقد التالي ليبلغَ ما بين 24 و27 سينما عام 1951. من اللافت أنَّ هذا المستوى كان مشابهاً لنظيره في تركيا، حيث تراوح العدد لكل مليون من سكان الحضر ما بين 22 و29، وفقاً لطريقة احتساب دور العرض الثابتة والمتحركة. لكنَّ الأهمَّ من المقارنة الجامدة هو اتجاهُ الحركةِ نفسُه. مصرُ كانت تصعد، وتلبّي سوقاً واسعةً داخل حدودها وخارجها أيضاً.
لم يشهد هذا المؤشر أيَّ زيادة حتى نهاية السبعينات. ثم بدأ الانهيار. لينحدرَ العددُ خلال التسعينات إلى أقلَّ من ست شاشاتِ عرض سينمائي لكل مليون من سكان الحضر. ولو حسبناها بعددِ دور السينما لكانَ الرقمُ أقلَّ بكثير.
لا يمكن تفسيرُ هذه الأرقام، الدالة على حال القطاع الفني، دون التوقف عند عاملين أساسيين.
المنحنى يسير بوضوح مع تعريف مصر لنفسِها. من أمةٍ تدير قطاعاتها المختلفة بنهج حداثي يعكس التغيير الذي يحدث في العالم، ويركّز على ترسيخ ميزات البلد، إلى وضع ينحسر فيه المنتج المجتمعي خلفَ رؤية سياسية توسعية منهكة خلال فترة الحروب المنهكة، ثم إلى مجتمع يتآكل ذاتياً بالتطرف الديني. من الملاحظ أنَّ الانهيار الكبير في التسعينات تزامنَ مع انتقال التَّطرف الديني من مرحلة نشر الأفكار إلى مرحلةِ العنف المباشر، وما صاحبه من استهداف لدور السينما والمسرح. حاولَ فنانون، مثل عادل إمام، التَّصدي لهذا المناخ، لكنَّ الوقتَ كانَ متأخراً، والضررَ كانَ بنيوياً.
العامل الثاني يرتبط بطريقةِ إدارة الاقتصاد نفسِها. فازدياد المعدل في المراحل الأولى كان نتيجة فكر اقتصادي استثماري يسعى خلفَ الربح في القطاعات الناجحة. أمَّا استقرار المؤشر خلال فترة الإدارة المركزية للاقتصاد فلم يكن أكثرَ من تعبير عن قوة القصور الذاتي للمجتمع، المستمر في عاداته القديمة، مثل الإقبال على السينما والحفلات الفنية، من دون أن يكسبَ القطاع أرضاً جديدة كما كان مفترضاً. وهذا نمط متكرر في نظم الإدارة الاشتراكية. فالانحدار لا يظهر فوراً، إذ تكون مواردُ التأميم حاضرة، وحماسُ إثبات الذات دافعاً، لكنَّه يأتي لاحقاً حين تعجز هذه الإدارة المركزية عن رعاية التفاصيل الدقيقة لكل قطاع سيطرت عليه، ولا سيما تلك التي تتطلب ملفاً خاصاً من الخبرات.
يمكن رؤية هذا النمط في مجالات أخرى، مثل المرور، حيث تبدأ الإدارة بحملة ضبط وربط تُسخر لها مجهودات مضاعفة لا يمكن استدامتُها مركزياً. خطوة بخطوة تعود العادات القديمة، وتسود المخالفات المرورية. ويمكن ملاحظة النمط نفسه في المشروعات العمرانية، حيث يُطلق مشروع جديد تتجه إليه الطاقة، لكنه يترك فراغاً إدارياً في المجتمعات الأقدم بسنوات قلائل، فتتراجع تدريجياً.
التحدي الفكري والهوياتي، إلى جانب التحدي الإداري الاقتصادي، أديَا معاً إلى تقلّص قطاع الفن وتضاؤل فرصه. ومع شحّ الفرص تبرز المحسوبية، وتتوسّع ظاهرة أبناء العاملين، وتتوحّش الشلليةُ الآيديولوجية التي أنبتها الحكمُ المركزيُّ لدعم نفسه، وترسخت واستمرت حتى بعد تغيير الخطاب الرسمي، وتُرِك لها قطاع الثقافة على سبيل المراضاة.
واجهت صناعةُ الفنّ المصريةُ هذه العوامل مجتمعة. ولولا رسوخُ النَّزعةِ الفنيَّةِ في المجتمع، لكانَ الانهيار كاملاً، لا جزئياً.

