تبدو قضية نقل معتقلي تنظيم «داعش» وعائلاتهم من شمال شرقي سوريا إلى العراق، للوهلة الأولى، إجراءً أمنياً تقنياً يهدف إلى سد ثغرة طارئة في منظومة الاحتجاز، غير أنها في جوهرها تكشف عن مأزق دولي بنيوي لم يُحسم منذ انهيار «الخلافة المزعومة» عسكرياً. فالعالم الذي نجح في تفكيك السيطرة الإقليمية للتنظيم أخفق في بناء إطار مستدام للتعامل مع تبعاته البشرية والقانونية والفكرية، وهو إخفاق يتجلى بوضوح في التناقض بين تقديرات أميركية تحدثت عن إمكانية نقل آلاف المعتقلين خلال فترة وجيزة، وإعلانات عراقية لاحقة عن استقبال دفعات محدودة فقط. هذا التفاوت لا يعكس اختلافاً تقنياً بقدر ما يعبّر عن تعقيد «القنبلة البشرية الموقوتة» حين تنتقل من ساحة القتال إلى ملف احتجاز عابر للحدود، تتنازعه السيادة، وتُثقله الحسابات السياسية، ويتعذر حسمه قانونياً، فيما يبقى مفتوحاً على احتمالات الانفجار عند أول اختلال أمني أو سياسي.
ما شهدته مناطق شمال شرقي سوريا خلال الأسابيع الأخيرة يؤكد أن هشاشة البنية الأمنية المحيطة بالسجون والمخيمات ليست مسألة ثانوية، بل عامل مولِّد للمخاطر. فالتقارير عن فرار معتقلين من منشآت احتجاز، والتسرب غير المنضبط من مخيمات مثل «الهول» في لحظات فوضى وتبدُّل سيطرة، تكشف عن محدودية نموذج الاحتجاز القائم على سلطات أمر واقع تفتقر إلى الغطاء القانوني الدولي الكامل. ويتضاعف هذا الخطر حين تمتد التوترات العسكرية إلى محيط مخيمات مثل روج، حيث تعيش آلاف الأسر من نساء وأطفال ينتمون إلى عشرات الجنسيات، في بيئة أمنية وإنسانية شديدة الهشاشة. هنا يتجسد التوتر المركزي بين «الضرورة الأمنية» التي تفرض منع الانفلات بأي ثمن، و«العجز السياسي» الذي حال دون صياغة حل جماعي طويل الأمد.
لفهم هذا المأزق، يبرز مأزق العمل الجماعي بوصفه إطاراً تفسيرياً أساسياً؛ إذ تتفق الدول نظرياً على أن تهديد «داعش» عابر للحدود ويتطلب استجابة مشتركة، لكنها تختلف عملياً عند توزيع التكلفة. فاستعادة المواطنين المتورطين أو المرتبطين بالتنظيم، ومحاكمتهم، وإعادة تأهيلهم، وتحمل تبعاتهم الأمنية والاجتماعية، تمثل أعباءً سياسية داخلية لا يرغب كثير من الحكومات في دفعها. ويتقاطع ذلك مع «المنطقة الرمادية للسيادة»، حيث وجد آلاف المعتقلين أنفسهم محتجزين في فضاء لا تملكه دولة مكتملة الصلاحيات، مما حوّل السجون والمخيمات إلى حلول مؤقتة طويلة الأمد، وكل حل مؤقت ممتد يتحول بالضرورة إلى بيئة لإعادة إنتاج الخطر بدل احتوائه.
في هذا السياق، يكتسب نقل المعتقلين إلى العراق دلالة تتجاوز البعد اللوجيستي، بوصفه محاولة لإعادة الملف إلى يد دولة ذات سيادة تمتلك أدوات المحاكمة والاحتجاز والترحيل. غير أن هذه الخطوة لا تُنهي الإشكال بل تعيد صياغته. فالعراق، الذي كان من أكثر المتضررين من إرهاب «داعش»، يجد نفسه أمام اختبار مزدوج: حماية أمنه الوطني من خطر ارتداد التنظيم عبر الحدود في حال حدوث هروب واسع، وفي الوقت ذاته مواجهة احتمال التحول إلى مستودع دولي للمقاتلين الأجانب نتيجة إحجام دولهم الأصلية عن استعادة مواطنيها. وتتمثل المعضلة الغربية هنا في ثلاث مفارقات مترابطة: مفارقة الشرعية السياسية الداخلية التي تجعل قرار الاستعادة مكلفاً انتخابياً، ومفارقة الإثبات القضائي في ظل تشتت الأدلة عبر ساحات صراع منهارة المؤسسات، ومفارقة الوقاية؛ إذ يبدو ترك الملف خارج الحدود حلاً مريحاً قصير الأمد، لكنه يراكم خطراً أكبر على المدى البعيد.
وتزداد خطورة المعادلة حين لا يقتصر الملف على المقاتلين، بل يشمل العائلات أيضاً. فالمخيمات المغلقة التي تضم آلاف النساء والأطفال ليست مجرد تجمعات مدنية محايدة ولا كتلة إجرامية متجانسة، بل فضاءات حدية تتداخل فيها البراءة مع المسؤولية، والحاجة الإنسانية مع احتمالات إعادة التطرف. في هذه البيئات تعمل آليات الهوية المأزومة والحصار الرمزي على إعادة إنتاج الانتماء إلى جماعة متخيلة، تمنح الأفراد معنى وقيمة في مواجهة عالم يعدّهم فائضاً غير مرغوب فيه. ومن ثم يصبح السؤال حول المخيمات سؤالاً أمنياً استراتيجياً بقدر ما هو سؤال أخلاقي، لأنَّ نشوء جيل كامل داخل فضاء مسيّج، تتقطع فيه الخدمات، ويُختزل مستقبله في هوية واحدة، يعني تأجيل الانفجار لا منعه.
في مقابل هذا الارتباك الدولي، تبرز التجربة السعودية بوصفها نموذجاً متقدماً في التعامل الاستباقي مع التطرف بوصفه ظاهرة مركَّبة لا تُختزل في المقاربة العقابية. وربما كان تعبير رئيس أمن الدولة الأستاذ عبد العزيز بن محمد الهويريني: «نعالج قبل أن نعاقب»، مفتاحاً لفهم هذه الاستراتيجية التي قامت على التمييز الدقيق بين فئات المتورطين، من المغرر بهم، إلى المنظّرين، إلى الكادر التنظيمي والقيادي، وربطت بين الحزم الأمني والمعالجة الفكرية وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي.
يتجسد هذا النهج عملياً في مركز الإصلاح والتأهيل، الذي يُعد مؤسسة إصلاحية متخصصة تُعنى بإعادة تأهيل المتطرفين ودمجهم، وفق طرق علمية منهجية تستند إلى الشريعة الإسلامية، والقوانين الدولية، ومبادئ حقوق الإنسان. وقد أتاح الاطلاع المباشر على تجربة هذا المركز، من خلال زيارة ميدانية، فهماً أعمق لكيفية تحويل مقاربة «المعالجة قبل العقاب» إلى ممارسة مؤسسية فعالة، تُفكك البنية الفكرية للتطرف وتحدّ من قابلية إعادة إنتاجه. وهي تجربة تقدم درساً مركزياً للنقاش الدولي الراهن: فالقنبلة البشرية لا تُعطَّل بالنقل الجغرافي أو بالاحتجاز الطويل الأمد، بل بتفكيكها فكرياً واجتماعياً وقانونياً ضمن رؤية شاملة تعالج الجذور بقدر ما تضبط النتائج، وتحوّل إدارة الخطر من سياسة تأجيل إلى استراتيجية شاملة لمنع وقوعه.

