: آخر تحديث

"الجنادرية" حين تصنع الذاكرة ويُقاس بها الوعي

4
3
4

بالنسبة لي، لم تكن الجنادرية مجرد موقع تُقام فيه الفعاليات التراثية والثقافية، بل ذاكرة شخصية تشكّلت عبر سنوات، وارتبطت بسلسلة من المشاهد التي صنعت وعينا بالموروث السعودي، منذ أوبريتات الجنادرية التي تصدّرت المشهد ببداية التسعينيات الميلادية، وارتباطي على المستوى الشخصي بأوبريت أرض الرسالات والبطولات عام «1993»، كأول تغطية صحفية لي بتلك الفترة، والذي بدأت من خلاله العلاقة بالنسبة لي بترسيخ فكرة أن التراث ليس مجرد مادة محفوظة وإنما تجربة حيّة تعيش في الوجدان!

أوبريتات الجنادرية تحديداً لم تكن عروضًا فنية عابرة، بل لحظات تأسيسية في الذاكرة الثقافية، لأنها جمعت بين الكلمة واللحن والصورة، وقدّمت الموروث السعودي بلغة إبداعية راقية، جعلته قريبًا من الناس وباقيًا في ذاكرتهم، ولهذا بقيت الجنادرية، بالنسبة لنا، منبعًا ثقافيًا لا ينضب، ومقياسًا صادقًا لكل حديث عن الهوية حين تُقدَّم بوعي، لا بشعار.

وعندما حضرت مؤخرًا مشاركًا في برنامج «من الجنادرية»، على هامش فعاليات مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن، شعرت أنني لا أزور المكان بقدر ما أعود إلى ذاكرة أعرف تفاصيلها جيدًا، فمن جماليات البرنامج، الذي قدّمه الزميل فواز الشريف ببراعة، تلك المساحة الهادئة التي خُصّصت للحديث عن المعنى قبل الحدث ما بين الهجن والتراث والفنون والثقافة وبصورة تكاملية، ومنها إحدى فقرات البرنامج التي قدمها بصورة يومية الزميل عبدالرحمن الناصر، وتناولت الجوانب المضيئة والباقية في ذاكرتنا من الأوبريتات الفنية التي كانت تتصدر مشهد الجنادرية، وكيف تحوّلت إلى علامات ثقافية شكّلت وعيًا ثقافيا لا يزال حاضرًا، وكذلك الفقرة المميزة بالبرنامج للمتخصص بالفنون الأدائية للأستاذ سعد الثنيان.

فالجنادرية، ليست ذاكرة مكان فحسب، بل أساس أصيل لموروث سعودي له امتداده العالمي، وشخصيته الواضحة، وقدرته الدائمة على التجدد دون أن يفقد أصالته، وهذا ما جسده مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن، الذي لم يعد مجرد سباق أو احتفاء بالماضي، بل جزء من مسار ثقافي أوسع يمكن البناء عليه، فالمهرجان في عامه الثالث، ومن أرض الجنادرية تحديدًا، يمثّل امتدادًا طبيعيًا لحدث تراثي وثقافي سعودي متجذّر، وهو حدث يملك كل المقومات التي تجعله قابلًا للاستثمار بصورة أفضل، ليكون حاضرًا على الخارطة العالمية، بوصفه مهرجانًا متخصصًا يجذب المهتمين بالتراث، والرياضات التقليدية، والثقافة الصحراوية، من مختلف دول العالم.

المهرجانات التراثية والثقافية، في تجارب دول عديدة، لم تعد مناسبات احتفالية فقط، بل مؤشرات حضارية يُقاس بها وعي المجتمعات وقدرتها على تحويل الموروث إلى قيمة، فهي تعزّز الهوية، وتخلق حراكًا ثقافيًا، وتحقّق مردودًا اقتصاديًا وسياحيًا، وتقدّم صورة الدولة للعالم بلغة يفهمها ويقدّرها، وما يميّز التجربة السعودية هو اجتماع العمق التاريخي مع التنظيم الحديث، وصدق العلاقة بين الإنسان والموروث.

لذلك الجنادرية، كتراث وأصالة وحضارة، تظل شاهدًا على أن الموروث يمثل رصيد وطنياً مهماً، وقيمة ثقافية حضارية نفتخر بها بين الأمم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد