: آخر تحديث

الخيال والابتكار

2
2
2

لم تكن الخرافة في تاريخ الإنسان نقيضًا للعقل كما ترسّخ في وعينا الحديث، بل كانت -على نحوٍ خفي- بذرة العقل الأولى، وخطوته المرتبكة في الظلام، فالإنسان لم يبدأ رحلته مع الاكتشاف من المختبر، بل من الحكاية.. لم يخترع لأنه امتلك أدوات العلم، بل لأنه امتلك أولًا شجاعة التخيل.

قبل أن تتكوّن المعادلات، كانت الأسطورة تؤدي دورها الصامت إذ تفتح للوعي أبوابًا لا يجرؤ الواقع على فتحها، فتمنح الإنسان إذنًا داخليًا بأن يتجاوز حدوده، وأن يتخيّل نفسه في أماكن لم تطأها قدم، وفي قدرات لم يمنحها له الجسد، ومن هذا التخيّل تحديدًا وُلدت معظم شرارات الابتكار الكبرى.. أسطورة إيكاروس الإغريقية، أو حتى عباس بن فرناس في ثقافتنا العربية، ذلك الذي صنع لنفسه جناحين من شمع وريش، ليست مجرد حكاية عن الغرور والعقاب، بل هي اعتراف مبكر بأن الإنسان لم يرضَ يومًا بثقل الأرض، الطيران كان حلمًا أسطوريًا قبل أن يكون مشروعًا علميًا، وحين نجحت البشرية أخيرًا في اختراق السماء، لم تكن تخون الأسطورة، بل كانت تكملها بلغة أكثر دقة، الطائرة الحديثة ليست نقيض إيكاروس، أو حتى عباس بن فرناس بل نسختهما التي تعلّمت من السقوط.

وفي ثقافات متعددة، تكررت حكاية «المرآة السحرية» التي ترى البعيد، وتكشف المستور، وتنقل صورة العالم إلى صاحبها، كان هذا خيالًا خالصًا يومًا ما، أما اليوم فنحن نحمله في جيوبنا على هيئة شاشة صغيرة، حيث الهاتف الذكي، والكاميرا، والأقمار الصناعية، والبث المباشر… كلها أشكال واقعية لتحقيق حلم أسطوري قديم: أن يمتلك الإنسان عينًا تتجاوز حدود المسافة والزمن، حتى فكرة الخلود، تلك الرغبة العميقة التي لا يكاد يخلو منها وجدان بشري، بدأت بوصفها خرافة «ماء الحياة، عشبة الخلود، إكسير الشباب الأبدي…» كلها رموز ترددت في الميثولوجيات القديمة لأنها كانت تعبّر عن رفض داخلي لفكرة الفناء، تلك الرموز، رغم طابعها الخيالي، دفعت البشر عبر القرون إلى البحث الجاد في أسرار الجسد، واليوم تقف علوم الجينات، وأبحاث الخلايا الجذعية، وتقنيات إطالة العمر، بوصفها امتدادًا علميًا مهذبًا لحلم قديم لم يتخلَّ عنه الإنسان يومًا، حتى الروبوتات والذكاء الاصطناعي، اللذان يبدوان ذروة العقلانية التقنية، لهما جذور في الخيال الأسطوري، إذ تبرز لنا قصة «تالوس» الرجل البرونزي الذي صنعته الآلهة ليحرس جزيرة كريت، وحكايات الكائنات المصنوعة في التراث العربي والشرقي، كلها تعكس حلم الإنسان بصناعة شبيهٍ له يؤدي عنه المهام ويحاكي قدراته، وما نراه اليوم من تطور مذهل في الآلات الذكية ليس قطيعة مع الخيال، بل تتويج له.

اللافت أن كثيرًا من العلماء والمخترعين يعترفون بأن شرارة شغفهم الأولى لم تأتِ من كتاب فيزياء، بل من قصة، أو رواية، أو مشهد خيالي. جول فيرن، على سبيل المثال، لم يكن عالمًا، لكنه كتب عن السفر إلى القمر وأعماق البحار قبل أن يصبح ذلك ممكنًا، الأدب والأسطورة كانا، في أحيان كثيرة، بمثابة المسودة الأولى للمستقبل.

وبهذا المعنى، لا تبدو الخرافة مجرد أثر من آثار الجهل، بل أثر من آثار الجرأة، إنها التعبير الأول عن طموح الإنسان في تجاوز محدوديته، وكل اختراع حديث، مهما بدا قائمًا على الحساب والدقة، يحمل في داخله أثرًا قديمًا لحلم إنساني جريء سبق العلم بخطوة، ربما لهذا ينبغي ألا نستخف بأحلام الصغار، ولا بخيال المبدعين، ولا حتى بما نسميه اليوم «أوهامًا»، فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا مما كنا نسخر منه منه يومًا، أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، فبين الأسطورة والاختراع خيط رفيع اسمه التخيل، وكل أمة تفقد خيالها، تفقد قدرتها على صناعة المستقبل قبل أن تدرك ذلك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد