الملحوظةُ النَّقديةُ الأخيرةُ على نقدِ أنيس فريحة الإجمالي لِكِتَابَيْ «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، و«العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب، في خاتمةِ دراستٍه «الحركة اللّاسامية في التاريخ» هي: أنْ لا علاقة لموضوعي هذين الكتابين بموضوع دراسته ألبتّة. فنقده الإجماليُّ لهذينِ الكتابينِ كانَ مقحماً على موضوعِ دراستِه وكانَ نشازاً فيها. فالكتابانِ ليس موضوعُهمَا اليهود وتاريخُهم الشرير - كما تَزعمُ - أدبیاتُ معاداةِ اليهود «اللّاسامية أو ضد السامية» في تاريخِ الفكرِ الغربي بشقِّها الديني وشقِّها العلماني.
لقد سوَّغَ أنيس فريحة هذا الإقحامَ تحت عنوان «واقع العالم العربي في نظر عامة الغربيين». فهذا الواقعُ عندَه كانَ عاملاً مهماً، وكانَ له أثرٌ في نشأةِ الصهيونية!
هذا الأثرُ حدَّده - حسب ما ذهب - إلى تركيزِ النظرة الغربية على مظاهر التأخرِ في الواقع العربي، وإهمالها لمظاهر التجدّد فيه، وبتخبّط الفكرِ العربي وسطَ التيارات الحديثةِ الجارفة. وكانَ شاهداه على هذا التَّخبطِ كتابَ خالد محمد خالد وكتابَ سيد قطب.
وفي نقدي لنقده الإجمالي للكتابين أظهرتُ أن نقده لهما كان نقداً متهافتاً وصارخاً في تناقضاته.
إنَّ فحوى نقدِه للكتابين لا يليقُ بقامتِه العلمية الباذخة، ولا يتناسبُ مع مستوى دراسته الممتاز لتاريخ اللّاسامية في الغرب وأسبابها. ولا يمكنُ الاعتذارُ لمستوى نقدِه الهش والمتضاربِ لهما إلا بالقول إنَّه كانَ «فشّة خلق» لبنانية في الكتابين اللذين لم يروقَا له!
قالَ أنيس فريحة في مقدّمةِ دراسته «الحركة اللّاسامية في التاريخ»: «وقصة اللّاسامية صفحةٌ من التاريخ لم يُعرْهَا العربيُّ اهتمامَه، أو بالأحرى لم يشعرْ بوجودها». وهو محقٌّ في قولِه هذا كلَّ الحَق. ولنا أن نعدَّ دراستَه هذه أوَّل صفحةٍ علميةٍ في التَّعريفِ بالمعضلة اليهودية وتاريخِها في الغرب في الثقافةِ العربيةِ الحديثة.
من تجربتِي في القراءةِ، وفي حدود اطّلاعي، لم أقرأ في الثقافةِ العربيةِ الحديثة صفحاتٍ علميةً تلت تلكَ الصفحةَ التي كتبهَا أنيس فريحة في منتصفِ القرن الماضي سوى محاضرةِ ألقيت في القاهرةِ ومنشورة بمجلة مصرية، لكنَّ صاحبَ المحاضرةِ غير عربي.
بدعوةِ من مجلة «الطليعة» اليسارية، زارَ المستشرق الفرنسي الماركسي مكسيم رودنسون القاهرة في الأيام الممتدة من 22 ديسمبر (كانون الأول) 1969 إلى 8 يناير (كانون الثاني) 1970 لإلقاء محاضرات. وقد ألقاهَا في قاعة المحاضرات بجريدة «الأهرام»، ونشرت نصوصها الكاملة في مجلة «الطليعة». المحاضرة المقصودة هي «المشكلة اليهودية عبر التاريخ»، المنشورة في عدد مايو (أيار) 1970 في هذه المجلة. ونشرتِ المناقشات التي أعقبت إلقاء هذه المحاضرة في عددِها في شهر يونيو (حزيران) 1970، تحت عنوان «الصهيونية بين التبعية والاستقلال!».
تختلف محاضرة رودنسون «المشكلة اليهودية عبر التاريخ» عن دراسة فريحة «الحركة اللّاسامية في التاريخ» بأنها عرض تاريخي كلي شامل للمشكلة اليهودية في تاريخ الشرق الأدنى وفي تاريخ الغرب.
بطبيعة الحال إن كنتَ على شيء من الثقافة الماركسية ستعرف أنَّ التيارات الشيوعية والتيارات القومية المتياسرة في العالم العربي في كتبها ودراساتها ومقالاتها حين تتعرض للمسألة اليهودية وللفكر الصهيوني تخلو هذه الكتب والدراسات والمقالات من الأبلسة الدينية والأبلسة العرقية لليهود ومن أي ترهات حولهم، وهي تدين هذا المنظور وتناهضه، ذلك لأن الماركسية، أولاً، لا تقول بخاصيات جوهرانية للشعوب، وثانياً، لأنها تفسر معاداة اليهود وكراهيتهم تفسيراً طبقياً، وهو أن البرجوازية الكبيرة بثت هذه المعاداة وهذه الكراهية لدى البرجوازية الصغيرة لحرفها عن النضال الطبقي.
إنَّ القارئ لدراسة أنيس فريحة القيمة، سيرى أنَّ خاتمتها كانت بلا مدلول. فأي علاقة تربط موضوع دراسته بكتابي خالد محمد خالد وسيد قطب؟!
إنَّ كان ولا بدَّ لدراسته من كتابة خاتمة لها، كما رأى أنيس فريحة، كان يجب أن تكون الخاتمة قولاً إجمالياً حول كتب لاسامية غربية ترجمت إلى اللغة العربية ابتداءً من آخر القرن التاسع عشر. وفي عام 1950، وهو العام الذي كتب فيه دراسته ونشرها، كان عددها قليلاً، وكانت خرافة بروتوكولات حكماء صهيون قد ترجم جزء يسير منها في مجلة «الرسالة» عام 1949، ولم تصدر الترجمة الكامل بعد في كتاب.
أمَّا نقده الإجمالي لكتابي «من هنا نبدأ» و«العدالة الاجتماعية في الإسلام»، الذي رأى فيه أنَّ هذين الكتابين هما شاهدان على تخبط الفكر العربي المعاصر، فيصلح أن يكون خاتمة لدراسة أخرى له كان قد نشرها في مجلة «الأبحاث» قبل نشره لدراسته «الحركة اللاسامية في التاريخ» في هذه المجلة بثلاثة أشهر.
هذه الدراسة هي: «الفكر العربي: مشكلته» المنشورة في مجلة «الأبحاث» في شهر سبتمبر (أيلول) 1950.
فشاهداه على تخبط الفكر العربي يتلاءمان مع عنوان الدراسة ومضمونها. ويمكن أن يضيفهما إلى الكتاب الذي ضرب فيه مثلاً في خاتمة دراسته على مشكلة الفكر المعاصر.
هذا الكتاب هو كتاب «أسس النهوض القومي العربي» لأحمد كمال. قال عن هذا الكتاب وعن مؤلفه: «أمامي كتيب صغير ألّفه طالب جامعي يدعو فيه أبناءَ قومِه إلى التجديد ومسايرة الحياة».
صحيح أن الكتاب كتيب، فصفحاته لا تتعدى 34 صفحة، وصحيح أن الذي ألّفه ألّفه حين كان طالباً جامعياً لكن في التاريخ الذي نشرت فيه دراسة فريحة لم يعد طالباً، فقد كان طبيباً جرّاحاً في المستشفى الحكومي بحيفا. وكان إضافة إلى عمله في هذا المستشفى لديه عيادة خاصة في شارع ستانتون رقم 63 بحيفا من عام 1940. وكان قبلها في أواخر عام 1939عمل طبيباً لمدة وجيزة في عيادة خاصة كان يملكها في طولكرم. وذلك بعد تخرّجه في الجامعة الأمريكية ببيروت طبيباً عام 1939. أما رسالته القصيرة «أسس النهوض القومي العربي» فلقد نشرتها «دار الأحد» ببيروت عام 1938، وكان لا يزال طالباً في الجامعة الأمريكية.
أحمد كمال اسمه الكامل أحمد كمال إسماعيل من مواليد 1914 في قرية عنبتا في قضاء طولكرم، له كتاب غير كتاب «أسس النهوض القومي العربي» اسمه «الماضي الحاضر». وهو ذو توجّهٍ قوميٍّ عربيٍّ. وللحديث بقية.

