محمد خالد الأزعر
قبل تسيُّد دونالد ترامب للبيت الأبيض، في عهدتيه الأولى والثانية، لم تكن الولايات المتحدة تعاني من عقدة نقص في المساحة، فهي تتمدد على 9.867 ملايين كم مربع، بما يفوق مساحة قارة أستراليا، ويقترب من حجم قارة أوروبا بدولها الأربع والأربعين، ومن ثلث حجم قارة أفريقيا بدولها الخمس والخمسين؛ ويعادل زهاء نصف مساحة أمريكا الجنوبية ذات الاثنتي عشرة دولة، ونحو خُمس حجم آسيا أكبر قارات المعمورة بدولها الخمسين.
وقبل ولايتي ترامب، لم تكن الولايات المتحدة تشكو من شح في عدد السكان عموماً من حيث الكم، إذ يقطنها نحو 340 مليون نسمة.. هؤلاء الذين أتاحت لهم الأقدار ما يعز عن الحصر من الموارد الطبيعية، بما في ذلك ثروة من مصادر الطاقة (فحم ونفط وغاز..)، ضمنت لهم مراكز متقدمة عالمياً من حيث الإنتاج والاحتياطي.. وهي موارد وثروات اجتهدوا في إدارتها واستثمارها، وهم بمأمن جيواستراتيجي نسبي كبير من جرائر الصراعات المهلكة، التي دارت في عوالم الآخرين خلف المحيطات.
وقبل رئاسة ترامب لم تكن الولايات المتحدة تخشى من ضمور في «نوعية» النخب وأصحاب المواهب الفذة، على كل صعد العلوم والفنون والآداب والتقدم التقني فائق التصور.. وبصفتها «أمة من المهاجرين»، وبالنظر إلى نظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فقد شكلت قبلة للحالمين بفرص أوسع للتعبير عن مواهبهم وإطلاق العنان لها، من كل جهات الدنيا. وقد نذهب إلى أن زعيماً أمريكياً لم يجرح فكرة «الحلم الأمريكي»، ولا وضعها على المحك، وساق صفوة من العقول الأمريكية للتخوف على مستقبلها، مثلما فعل ترامب.
وحين تبوأ ترامب وبطانته مقعد الحكم، لم تكن عظمة الولايات المتحدة ومكانتها على رأس النظام العالمي موضع جدل ونقاش. لقد كانت مظاهر هذه الريادة، ولا سيما الصلبة الخشنة منها، تنتشر براً وبحراً وفضاء، بكل ما يلحق بذلك من نفوذ ومداخلات، تكاد لا تغادر صغيرة ولا كبيرة في المعترك الدولي، إلا كان فيها لواشنطن حضور وكلمة مسموعة.
الشاهد هنا أن ترامب، شأنه شأن معظم أسلافه خلال مراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية بالذات، وجد نفسه على رأس كيان دولي جبار، أوتي كل شيء من مقومات القوة و«العظمة»، قياساً بمعظم الكيانات التي عرفها التاريخ البشري.. لكنه مال كل الميل إلى مخالفة هؤلاء الأسلاف، لجهة طرائق توظيف هذه المقومات في الحفاظ عليها وتنميتها والتوسع فيها عاجلاً، والسعي الحثيث لديمومة التفرد بها، وتعجيز «الآخرين» بلا استثناء إزاء احتمالات الاستحواذ عليها بأثر مستقبلي.
بصيغة أخرى، يؤسس ترامب، بكل ما أوتي من جموح، لمدرسة تبدو وفقها الولايات المتحدة كأنها تعاني من سوء استخدام «فائض القوة» وأسباب العظمة المتوفرة لها وليس العكس.
وتوحي أطروحات هذه المدرسة وأدبياتها، بأنها تعلل هذا السوء، أو النقيصة، بالالتزام بالقيود والضوابط القانونية والأخلاقية؛ التي تساوي نظرياً بين غير المتساوين واقعياً.
نفهم ذلك مثلاً من التزامن الحاصل بين حديث الانسحاب الأمريكي من 66 منظمة إقليمية ودولية، والاستخفاف بالأمم المتحدة، بل التهديد بفض الشراكة مع حلف الناتو ذاته، وبين الأحاديث الأمريكية الجادة عن ضم غرينلاند وكندا وبنما، والسيطرة الفعلية على فنزويلا، وإنذار بضع دول لاتينية بمصير مشابه..
قبل أن يكتمل العام الأول من ولايته الثانية، بدا ترامب كأنه يسابق الزمن للإفصاح، تقريباً بلا مواربة أو استعارات مكنية، عن كل مكنوناته ونواياه ومنظوراته للتعامل الخارجي.
وفي حالات بعينها شفع القول بالفعل.. وفي ذلك كله أدار ظهره لكثير من الأفكار اليوتوبية التي غلفت مطولاً هذا التعامل، حتى مع أقرب الأصدقاء والشركاء والحلفاء في ما يعرف بـ«عالم الغرب»، من قبيل تبادل الرأي والأخذ والرد والتشاور المسبق والاصطبار على تحمل أعباء الأخ الأكبر ونحو ذلك.. وعوضاً عن هذه التقاليد، حلت لغة أمريكية مغموسة بالأوامرية، غير القابلة للتفاوض الممل، فحواها فرض السطوة والسيطرة المباشرة، بما يعيد للأذهان العلاقة بين المراكز والأطراف في أزمنة الإمبراطوريات الغابرة.. أزمنة ما قبل تبلور الدولة القومية ومفاهيم الاستقلال والسيادة وأنساق القوانين والتنظيمات الدولية!
إذا بقيت هذه التوجهات الأمريكية غير المألوفة، خلال المستقبل القريب، وليس في الأفق ما يشي بغير ذلك، فمن المتوقع والطبيعي أن تستدعي ردود أفعال من صنوها وعلى شاكلتها.. وعليه ربما لا تنتهي السنوات الثلاث المتبقية من عهد ترامب وصحبه، إلا وقد تحول المشهد الدولي إلى أحجية كبرى، لا تجوز المخاطرة راهناً باستكناه أبعادها.

