: آخر تحديث

زمن ترمب: اختصار الزمن وانكشاف الأسرار

5
4
4

توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترمب نحو الحوثيين في اليمن ليست سراً صغيراً خفياً أبداً؛ كما لم يكن مفاجئاً ألبتة إقدام إدارته الجديدة على التخطيط المكشوف لإطلاق حملة عسكرية قد تستمر عدة شهور حافلة بمفاجآت وغارات على مواقع تقع تحت نطاق سيطرة الجماعة من صعدة إلى الحديدة.

لم يستغرب ذلك متابعو حملة ترمب الانتخابية وراصدو انتقاده لكيفية تعاطي الإدارة السابقة مع التهديد الحوثي لسلامة وأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وما تكلَّف من نفقات.

لا يَعجَبَن أحد مما يفعله الرئيس الأميركي وإدارته حد تداول خطط عسكرية عبر أحد تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي «سيغنال»، متساوين في هذا الفعل مع بعض مسؤولي دول غير أميركية شهدت مجموعات «واتساب» الخاصة بهم نقاشات أعقبتها عملية «إزالة»، أفرزت انفعالات ومستويات ومحتويات ما أنزل الله بها من سلطان، وصارت «ترند» مضى لحال سبيله حين غطت عليه آخر أنباء واشنطن عن مجموعة «سيغنال» بشأن ضرب الحوثيين في اليمن، واكتسحت الأذهان بما احتوت من خطط تخص الإغارة على الحوثيين في اليمن باستهدافات عسكرية مصحوبةً بصلوات رئاسية.

في الماضي، كان يجري تداول الخطط والتقارير من خلال شفرات سرية أو برقيات أو رسائل خاصة... ثم إلكترونية قابلة للاختراق و«التهكير» -أو الصيد مثل الحمام الزاجل، أقدم وسائل نقل الرسائل السرية- وضعت واضعيها ومتلقيها الأصليين محل استهجان معارضي التجديد العصري المحافظين على تقليد السرية والتحفظ وعدم مكاشفة الجمهور.

يستمر استهجان مكاشفة الجمهور بالأسرار، على الرغم من أن معظم البشر الآن «يتواتسون» و«يفسبكون» و«يؤكسون أو يغردون» -بعضهم ينعقون- و«يسنغلون»... ويتسلون بعرض وتداول كل شيء، غثاً كان أو سميناً، دقيقاً أو زائفاً، من وثائق وتسجيلات وتسريبات ومحادثات، يتلقاها المرء من أي شخص كان في أي مكان وفي غمضة عين. زِد على أن يعيش الكون «زمن ترمب» الذي يختصر الزمن والتكاليف والنفقات قدر الاستطاعة.

ليس أدل على اختصار الزمن مما دار بينه ونائبه فانس وبين الرئيس الأوكراني زيلينسكي علناً، حد تجاوز انتظار ساعات أو لحظات يتم فيها تسريب الخبر... بأن بثه على الهواء مباشرةً، مُجنِّباً الباحثين والعالم عناء انتظار ثلث أو نصف قرن ليطلعوا على وثيقة محضر جلسة رسمية في البيت الأبيض أو أي دائرة أميركية أخرى.

في زمن ترمب غير المتوقع يقع، والمُتوقَع لا يقع.

الصحافي جيفري غولدبرغ «أضافه» مستشار الأمن القومي مايك والتز إلى مجموعتهم «سيغنال» بالخطأ كما قيل. لم يكشف وينشر ما انكشف له من خطط... صان أسرار الخطط العسكرية كما قال؛ تخيلوا... لوهلة بدا هذا الصحافي أكثر حرصاً من المعنيين على سلامة الأميركيين، وليس على السبق الصحافي. لولا أنه تحول إلى «ترند» بكشف واقعة إضافته إلى الجروب الرئاسي لمتابعة تطورات عسكرية، بوصفها خرقاً أمنياً اقترفه مسؤولو الأمن القومي ومساعدو الرئيس الجمهوري.

غدت الواقعة وقود حملة الديمقراطيين الأميركيين ضد الرئيس ترمب ووزير الدفاع بيتر هيغسيث، الإعلامي السابق الذي شنَّ هو الآخر هجومه وتكذيبه على «زميل المهنة» رئيس مجلة «ذا أتلانتيك/ الأطلسي»!

تناسى الديمقراطيون ما تسرَّب عن كبار مسؤوليهم من رسائل إلكترونية وبرقيات وتقارير خلال عهودهم. مع ذلك يسخرون مما يحدث الآن... أبداً لا يفوت الساسة والمتفرجون فرصة التربع على عرش الشماتة والسخرية ولذة التشفي؛ «عارٌ عليهم إذا -لم يفعلوه- عظيمُ»!

تُرى في «زمن ترمب» مَن يبالي؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد