: آخر تحديث

كونك صحفياً!

5
6
7

قال لي صديق -قريب من المشهد الإعلامي- التقيته في الطائرة بعد سنوات، أما زلت تكتب رأياً؟، التفت إليه مستفسراً دون أن أتكلم. أجابني بشكل صارم: الرأي يحرمك من المال وأحياناً من الوظيفة!

لقد ذكرني الصديق بشيء أعرفه ويعرفه معظم الصحفيين والكتّاب، ولكن ربما نسيناه لأننا تعودناه.

ما معنى أن تكون صحفياً؟

يعني أنك اخترت المهنة الأقل حظاً والأقل دخلاً في عالمنا العربي، وأنا أتكلم هنا عن أغلب الدول العربية لا عن البعض الذين تيسر لهم دخل عالٍ لظروف محددة، ولا أكثر دلالة بين صحفي أمضى عقوداً في المهنة، وبين مشهور يدعي أنه إعلامي استطاع في سنتين أن يكوّن ثروة تزيد على عشرات الملايين. ومن يقول إن الصحفي ليس من حقه البحث عن عوائد مالية مجزية عليه أن يخرج عن ماله ووظيفته، فالكل مسخّر لعمل يرجو من ورائه رزقاً حلالاً.

كونك صحفياً وصاحب رأي يعني أنك في الأغلب لا تحظى بدخل أو بدخل قليل جداً، وربما لا يعرف من يقرأ مقالات الكتّاب أنهم لا يتقاضون أجراً -من سنوات عديدة- من مؤسساتهم الصحفية؛ بسبب ظروفها المالية، وحتى عندما كانت تعطيهم فالدخل كان رمزياً فقط. والأغلب يكتب اليوم لأنهم يرون أن الدفاع عن أوطانهم وعن قضايا شعوبهم واجب حتمي لا نقاش معه ولا مساومة، وربما لا يعرف الكثير أن عوائد ما يتلقاه مؤلف كِتابٍ يحظى بقراءة عالية ويطبع مرات عدة تتراوح بين ألفين وخمسة آلاف ريال.

كونك صحفياً يعني أنك اخترت الوظيفة الأكثر جدلاً، وكونك صحفياً يعني أنك قسمت الناس بين كاره لك لأنك قد تطرح رأياً لا يناسبه، أو لا مبالي يستغرب انشغالك بملاحقة القضايا، وبين محب سلبي، كأنه يقول لك «إن جيت يا ورد مرحباً بك، وإن غبت ما اشتقنا».

الصحافة مهنة مثيرة عجيبة غريبة، يدمنها أصحابها ولا يعرفون غيرها، لكنها مرهقة ومكلفة نفسياً وجسدياً، الجميع يبحث عن الصحفي ويطالبه بتبني قضاياه والدفاع عنها، وكلما طرأ شيء صاح الناس «أين الإعلام»، وهي في أغلبها قضايا خطيرة يتصدى لها الصحفيون والكتّاب نيابة عن مجتمعاتهم وأوطانهم.

مخاطر عالية يضع فيها الصحفي روحه على كفه، يغطي الحروب والزلازل والصراعات الأهلية، ويهاجم التنظيمات الإرهابية، ويخاصم التنظيمات المتنفذة المتدثرة بالوطنية أحياناً أو بالتمكين الذي وصلت إليه أحياناً أخرى فتحرمه مما يستحقه، فالصحفي جندي في معارك لا تنتهي واحدة حتى تبدأ الأخرى، يخرج من كل معركة صحفية أو كتابية وقد امتلأ جسده بالجروح والندوب.

الصحافة أيها السادة عمل نبيل، لكن حظها من المال قليل. وعندها لا أقل من التقدير المعنوي الذي يبحث عنه الكاتب أو الصحفي عند الجمهور أو الوزارات والمنظمات والهيئات.

روى لي السيد عبدالله عمر خياط - رئيس تحرير «عكاظ» الأسبق والكاتب الكبير مقاماً- كيف دعي لإحدى المناسبات الهامة التي يرعاها شخصية مرموقة، يقول: حضرت إلى المناسبة وعند الباب استوقفني موظفو العلاقات العامة والمراسم، الذين لم يعرفوني بالرغم من أن عملهم يفرض عليهم معرفة الناس والشخصيات، يكمل الخياط قائلاً فأجبتهم أنا الكاتب «فلان» في «عكاظ»، ورد أحدهم (اوه صحفي، وأشار لزميله ودوه طاولة الصحفيين)، وهي كانت طاولة نائية في آخر صالة الاحتفال وتبعد عن مقعد الراعي بعشرين صفاً. بالطبع الصفوف الأولى يجلس فيها أصحاب المال من تجار وأعيان، ثم مديرو الدوائر وكبار الموظفين ... إلخ. الأستاذ عبدالله خياط غادر، بعدما وجد جيلاً لا يعرف كبار الأدباء والمثقفين والكتّاب، ما حصل للخياط يحصل في الأغلب للكثير من طبقات الكتّاب والصحفيين الذين لا يدعون، وإذا دُعوا تجدهم يهيمون بين الكراسي والطاولات دون تقدير.

كونك صحفياً وكاتباً ستكتشف أن جهدك وروعة ما تكتبه طوال سنوات ليس المعيار الذي ينظر فيه إليك، هناك معايير أخرى ربما لم تلفت لها وأنت تبحث عن مقال جيد تكتبه، أو قضية وطنية تدافع عنها، أو عدو تتقصى وراءه حتى تهدم ما يضمره لوطنك وشعبك، ستكون تلك المعايير مختلفة كثيراً عما يتصوره أغلب القراء، وستكون نتائجها أقل بكثير مما توقعه الصحفي عندما بدأ مهنته في عمر صغير من حياته المهنية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد