: آخر تحديث

اللاجئون وثنائية الحياة والموت

12
11
10
مواضيع ذات صلة

تتعاقب الأحداث وتتداخل ولا يعرف يقيناً أسباب سقوط ثقافة التعايش في مسارها الطويل، بهذا القدر الهائل من الهمجية والعبث بالقانون الدولي. وليس هناك أسوأ من أن يفقد الانسان حقوقه المقررة له بشرعة أبسط حقوق الإنسان الدولية وعلى رأسها، حقه في الحياة، وحقه في العمل، وحقه في التعليم وحقه في العيش الآمن الكريم.
فمع انقلاب المشهد الدولي وظهور نظام الأحلاف المتعارضة، نتيجة الحداثة ذات الجذور التي أفرزت الليبرالية، التي تؤكد أنه من الأفضل خلق فرد متحيز متخلف وقلق، مصيره الذي ينتظر ألا يخرج عن الفقر أو التشرد، يعيش في عالم فاتر وقاسٍ، يتم فيه تهميش كل ما هو ليس له دليل موضوعي، من خلال إحداث اضطرابات تفقده الأمان الوجودي، على الجانب الآخر تشهد قيم التعايش واحترام الآخر انحساراً إلى درجة التلاشي والانعدام.

ومن أكثر الشعوب التي ابتليت بتلك المصائب الشعب الأفغاني الذي دفع، منذ ثمانينات القرن الماضي، ثمن الصدامات الدولية التي استخدمت بلاده مسرحاً لتلك الصدامات، ومن ثم جاء الشعب العراقي الذي دفع ثمناً مماثلاً، بسبب غطرسة وغرور قيادته التي لم تحسب حساباً للعواقب التي قد تقع من جراء سياساتها الخاطئة، ومع ظهور الفوضى في بعض الدول العربية بسبب المشاريع الدولية المتضاربة فقد زاد عدد البؤساء والمحتاجين إلى العمل والرعاية الاجتماعية، وكان مشهد البشر المجتمعين في تركيا، من دول شرق أوسطية عديدة، وهم بمئات الألوف قاصدين أوروبا، تعبيراً واضحاً عن تلك المآسي الآخذة في التعاظم، والتي قد تتحول إلى وحش هائل يبتلع كل منجزات الحضارة الإنسانية.

ورغم أن بعض دول أوروبا قد استوعبت، آنذاك، أولئك اللاجئين، لكن ظهور أزمة لجوء جديدة في أوكرانيا، واندفاع عدة ملايين من الأوكرانيين نحو أوروبا، منذ مطلع العام الجاري، ودخول أوروبا في أزمات اقتصادية كبيرة بسبب أزمة كورونا، ومن ثم العقوبات ضد روسيا، حيث بات الكثير من دول أوروبا يئن من وطأة الأعباء الاقتصادية، وانسداد أفق الحل في ظل تصلب المواقف المتبادلة بين روسيا ودول الغرب.

وقد وجدت بعض دول أوروبا أن تدفق اللاجئين إليها، رغماً عن إرادتها، يشكل عبئاً ثقيلاً عليها لا يمكنها احتماله، ومؤخراً أعلنت بريطانيا أنها ستقوم بترحيل كل من يدخل إليها خلسة، إلى راوندا. وتفتقر راوندا إلى أبسط مقومات الحياة وتنتشر فيها الجريمة والعنف، بسبب الحرب الأهلية التي لم تخمد نيرانها فيها حتى الآن.

ومن دون شك أنه من حق أية دولة أن تتخذ السياسات التي تراها مناسبة لحمايتها وحماية شعبها، لكن الموقف البريطاني يكشف عن حجم الضغوط التي تعانيها تلك الدولة، بسبب قلة الموارد وكثرة النفقات، ولا يغيب عن البال أن بريطانيا قد غادرت الوحدة الأوروبية، لأنها تريد منع تدفق المهاجرين من أوروبا الشرقية إليها. ويومياً يقضي عشرات المهاجرين غير الشرعيين غرقاً في قوارب الموت في عرض البحر المتوسط، وهم يتلهفون للوصول إلى السواحل الأوروبية، ومع ذلك تستمر تلك القوارب في العمل، رغم المخاطر المحدقة، بسبب كثرة من يريدون اللجوء، وخصوصاً من الدول الإفريقية التي ضربتها الفوضى.

وكانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قد ذكرت، أن هناك ما لا يقل عن 102.6 مليون لاجئ حول العالم فروا من بلادهم لأسباب متعددة، وبحاجة لمساعدات عاجلة تقترب من 9 مليارات دولار. وهذا الرقم آخذ بالازدياد، مع استمرار حالة التحشيد بين القوى العظمى المتنازعة، فهناك اليوم مخاوف حقيقية من وقوع حرب عالمية عظمى بين الغرب من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، فقد تشتعل جبهة تايوان في أية لحظة، وقد يفجر ذلك الحدث الرهيب المخاوف من حصول أزمة لجوء هائلة في حال قررت الولايات المتحدة التدخل في تلك الحرب.

وأيضاً فقد يحدث لروسيا والولايات المتحدة ولدول أوروبا نفس الشيء، في حال اتسعت الحرب لتطول هذه الدول مجتمعة، وهو أمر قد يقع، وكل ذلك سيؤدي إلى انهيار النظام الدولي، ومن ثم انتشار الفوضى، وازدياد عدد اللاجئين الذي قد يتجاوز مئات الملايين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد