لم أتوقع عندما قارنت في مقال الأسبوع الماضي: المصالح الاقتصادية في النيجر وازدواجية المعايير، والذي أشرت فيه إلى الدور الذي لعبته فيكتوريا نولاند (Victoria Nuland)، في تطور الأحداث في أوكرانيا عام 2014، ومساهمتها في التغيرات الكارثية التي وقعت في هذا البلد الجميل منذ 22 فبراير 2014، وحتى الآن. ويمكن لم يرغب الاطلاع على الدور الذي اضطلعت به هذه الدبلوماسية في تلك الأحداث المأساوية، استعادة المشهد على اليوتيوب، ورؤية نولاند، وهي توزع البسكويت على المتظاهرين في ميدان الاستقلال «نيزاليجنوستي») Maidan Nezalezhnosti، الذي يعتبر أكبر ميادين العاصمة الأوكرانية كييف، وذلك لإعطاء دفعاً للاحتجاجات من أجل الإطاحة بالرئيس المنتخب فيكتور يانوكوفيتش. أقول لم أكن أتوقع رؤية هذه الدبلوماسية، التي تمت ترقيتها مؤخراً، في زيارة فاشلة إلى عاصمة النيجر نيامي - التي طارت إليها من جدة، بعد مشاركتها في العصف الذهني حول سبل إحلال السلام في أوكرانيا.
وفي الحقيقة، فإن سجل هذه الدبلوماسية يكاد يكون خالياً من الإنجازات، رغم أن لديها خبرة عمل مع الروس عندما توظفت وعمرها 23 عاماً على متن إحدى السفن السوفيتية لصيد الأسماك، وهي خبرة اكتسبت من خلالها الكثير من العادات، كما تقول. فنولاند، ربما تناسب الفترة الواقعة بين (1991-2008). فخلال هذه الفترة كانت الولايات المتحدة زعيمة العالم بلا منازع، وبالتالي فهي لم تكن في حاجة إلى مواهب خارقة ولا إلى دبلوماسيين قديرين. فكل الأمور كانت تسير وفقاً لمعادلة الخليفة العباسي هارون الرشيد: أمطري أنى شئت، فسوف يأتيني خراجك.
ولذلك، قلّ اهتمام الولايات المتحدة بالمتخصصين في الشأن الصيني والروسي، وحل محلهم أبناء وأحفاد المهاجرين من الاتحاد السوفيتي والإمبراطورية الروسية مثل وزير الخارجية اناتولى بلكين، ذي الأصول الأوكرانية، والذي لم يتمكن حتى الآن من حل أي قضية كبرى لبلده. بالعكس فقد ساهم في تعقيد العلاقات مع الصين، الأمر الذي اضطر الولايات المتحدة للاستعانة بهنري كيسنجر رغم بلوغه 100 عام. وأنا أشرت في إحدى مقالاتي، إلى أن الولايات المتحدة تتأثر وربما تتضرر بالبرامكة الأمريكيين. وفيكتوريا نولاند واحدة منهم. فهذه الدبلوماسية تعود أصولها إلى غوبرنيه بيسارابيا، وهي محافظة انفصلت عن الإمبراطورية الروسية عام 1917، وهي الآن ضمن جمهورية مولدوفا، التي تقع بين أوكرانيا ورومانيا.
ولذلك، كان من الأولى بهذه السياسية، قبل الذهاب إلى النيجر والقيام بواسطة فاشلة، أن تسترشد بالدبلوماسية السعودية، حتى تنجح مهمتها. فاجتماع جدة حول السلام في أوكرانيا الذي حضرته، كان فرصتها للاستفادة منه لتطوير مواهبها وعملها في المستقبل. فالدبلوماسية حتى تنجح، تحتاج إلى جهد كبير وإلى مواهب، وليس إلى توزيع البسكويت.

