: آخر تحديث

ثمّة ما يدعو إلى الحلم

28
28
33
مواضيع ذات صلة

هل لمحت تلك الجملة التي مرّت أمس خفيفة الوطء كأنما تمشي على البيض؟ كانت في حاجة إلى أضواء، حتى لا تظلّ في الظل. حقّاً: «لم يسبق أن طُرحت التنمية بين البلدان محفوفةً بمنظومة قيم إنسانية وبعدم التدخل في سيادة الأوطان». ثمّة ما يدعو إلى الحلم.

أوّل مرّة في التاريخ البشري، تُبنى علاقات تعاون وتنمية بين مجموعة من الدول على أساس «الكلّ رابح»، في ما بينها ومع أيّ طرف أو أطراف أخرى. هذا البعد الأخير هو الجديد كلّيّاً. هذا لا ينطبق على الإمبراطوريات قديماً وحديثاً، ولا على مجموعة الدول الصناعية الكبرى، فقد كان بعضها، في الأقل، يتصرّف من منطلق: «ما أملكه أنا فهو لي، وما تملكه أنت فليس لك وحدك». لن يكون هذا الجور مقبولاً إطلاقاً. ثمّة ما يدعو إلى الحلم.
على المفكّرين والمثقفين أن يُعدّوا العدّة لاستقبال هذا التحوّل التاريخي في النموذج الفكري، الإطار الفكريّ الذي نرى العالم والحياة والعلاقات البشرية من خلاله، سيتغيّر. يقيناً، ليس من العقل والإدراك السليم والاستشراف المتوازن، توهّم أن العالم مقبل على يوتوبيا مثاليّة، فمن العجب التفكير في زوال الحروب والنزاعات، بدليل أن ما نشهده اليوم هو في الحقيقة أشرس صراع، فلا شيء أوضح من أن الكوكب قد يكون مشرفاً على هاوية نوويّة. إنه تجسيد جهنميّ لما يسمّى «فخ ثوسيديدس»، الذي يصوّر صعود أثينا كقوة ناشئة، ما يؤجّج مخاوف اسبرطة، القوة المهيمنة، وانتهى الأمر بهما إلى الحرب، ولعل تلك الواقعة لم تكن الأولى في التاريخ، وأغلب الظن أن مخاوف الولايات المتحدة من صعود الصين لن تكون الفخ الأخير.
 لكنّ ما يبعث على الحلم بعالم أفضل، هو أن هيمنة القوة فقدت منظومة القيم التي كانت تدّعيها. لم تعد غطرسة حقّ القوة عملة قادرة على الإقناع بالقمع. لقد انفضّ الناس من حول الفظ الغليظ، لأنه قطع لكل جسور التحاور والتفاوض، بتعبير الشاعر: «تأخّرتُ أستبقي الحياة فلم أجد.. لنفسي حياة غير أن أتقدّما». لم يعد مجدياً التراجع والإحجام: «وقالوا: تقدّم، قلتُ: لست بفاعلٍ.. أخاف على فخّارتي أن تُحطما».
ما يبعث على الحلم هو أن النظام العالمي الذي يتشكّل حاليّاً، وتتبلور معالمه أمام أعيننا، يبشّر بعالم فيه نصيب للأخلاق في صميم العلاقات الدولية. تأمّل، الآن صار ممكناً أن تُطرح في المنتديات العالمية عبثيّة إهدار آلاف المليارات في حروب تطحن الشعوب والبلدان، بينما 1% من التريليون دولار، أي عشرة مليارات، يمكن أن تطلق تنمية رائعة في عشرة بلدان متعثرة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإطاريّة: أعظم إنجاز ثقافي هو أن ينبثق في العالم ما يدعو إلى الحلم. من حق العالم العربي أن يحلم حلماً حضاريّاً.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد