الولايات المتحدة دولة ديمقراطية وليس ثمة من يجادل في ذلك، وبالتالي فإن على من لا يتفق مع هذه الحقيقة المنطقية المستخلصة منذ عقود طويلة أن يراجع نفسه عند أقرب مركز للعلاج النفسي ليتأكد من خلوه من مركبات نقص. غير أن مصيبتنا مع هذه الدولة، زعيمة الديمقراطية، تكمن في أن حزبيها الأساسيين اللذين يتناوبان على الفوز بالانتخابات الرئاسية، يناصران فهمًا تبشيريًا للديمقراطية يزعمان به أنها الأداة الوحيدة لخلاص الشعوب من الاستبداد من جهة، وأن فرضها وفرض قيمها كما تشكلت في الوعي الجمعي الأمريكي واجب وإن بقمع خيارات الشعوب الأخرى في تبني القيم التي تناسب مجتمعاتها، فإذا كانت هذه الديمقراطية قد تم التوافق عليها لتناسب المجتمع الأمريكي بتركيبته الإثنية والعرقية فهذا لا يعني بالضرورة أنها رداء صالح لكل المجتمعات رغم أن هذا الرداء الأمريكي قد بات مهترئًا باليًا بممارسات يسارية أشبعها المنفتحون على مجهول الحرية المطلقة وحب الخروج عن المألوف الإنساني ونواميسه القارة تطرفًا خلق وعيًا مضادًا بواجب رفض المنوال الديمقراطي الأمريكي وضرورة التحري خاصة في ما تحمله الديمقراطية الأمريكية من قيم لا تناسب إلا الأمريكان على ما يبدو.
فهل من المقبول لأمريكا مثلاً، بصفتها الديمقراطية هذه، أن تُفرَض حرية حمل السلاح بحجة الحرية الفردية على غيرها من الدول، أو أن تفرض «المثلية» على المجتمعات الأخرى بالحجة نفسها؟ أم أن من مسؤوليات أمريكا حماية خيارات الناس واحترامها بدلاً من ذلك، حتى في حال كانت تلك الخيارات مناقضة لما هو واقع في الأراضي الأمريكية. أمريكا تعلم علم اليقين أن حرية حمل السلاح في أراضيها وراءه لوبي قوي جدًا يقف حجر عثرة أمام كل محاولات حظر حمل السلاح على من هب ودب من الناس خاصة بعد كل كارثة قتل جماعي تصيب الأمريكان في مقتل، ولذلك تراها تسكت عن الدعاية لهذا الحق في حملاتها التبشيرية بالديمقراطية، وهي تعلم أن فرض المثلية خاصة في دولنا العربية والإسلامية وفي دول أخرى في أصقاع المعمورة محض خرافة وحلم بعيد المنال، فكثيرة هي المجتمعات البشرية التي تتقاسم بعض القيم وعددًا من الضوابط الأخلاقية، وهي مجتمعات واضح تأثيرها في مسار التاريخ، وواضح تشبثها بمنظومة قيمية لا تبديل لها وإن كرهت أمريكا ذلك. ثم ألا تُعد رغبة أمريكا في فرض المثلية إرهابًا فكريًا وقيميًا وأخلاقيًا، لا يتفق أبدًا مع المنحى الديمقراطي الذي يبشر بها الحزبان وتلهج به الميديا الأمريكية؟!
بصفتها الدولة الديمقراطية الأولى والمدافع الأكبر عن انتشار الديمقراطية سلوكًا حضاريًا والساعي الأكبر إلى ترويجها ثقافةً بين الناس لإدارة شؤون مجتمعاتها، فثمة شيء لافت ينبغي التوقف عنده، فأمريكا وبدلاً من أن تؤثر بدرجة ما بواسطة هذه الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية ذات الأنظمة الجمهورية المؤسسة في أغلبها على خلفية انقلابات عسكرية اتخذت مسمى «الثورة» تمويهيًا شأنها في ذلك شأن مجتمعات كثيرة من الدول النامية الأخرى، فإننا، ولله الحمد نحن من «استطعنا» التأثير في أحزابها السياسية وفي كبارها السياسيين للتشبث بكراسي الحكم والمنافحة حتى آخر الأنفاس وبلوغ الرمق الأخير للبقاء في صدارة المشهد السياسي، وليس أدل على ذلك ما نشاهده اليوم من تشبث عجيب للرئيس الأمريكي بكرسيه رغم كبر سنه والاعتلال الملحوظ على صحته وهو اعتلال يلامس، بحسب ما يُنشر في الصحافة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، في بعض المؤشرات تخوم خرفٍ من مؤشراته مصافحة الهواء ومخاطبة الأموات وغيرها من الأدلة!
الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، وضمن اللعبة الديمقراطية، اعتقد قبل عام، وكان قد تجاوز عمره الثمانين عامًا، أن بإمكانه التفكير جديًا في مسألة الترشح لفترة رئاسية ثانية، وها هو يفي بوعده، ويؤكد اعتقاده بمعاودة ترشحه لرئاسة ثانية ليواجه بهذا القرار المترشحين الآخرين في الحزب الديمقراطي، ومن بعد ذلك المترشح الذي سيفوز بترشيح الحزب الجمهوري له، ولا أحد يعلم حتى الآن من هو مرشح الحزب الجمهوري هذا وإن كان الاعتقاد السائد أن ترامب هو مرشح الحزب الجمهوري الأقرب. الرئيس جو بايدن، وبكل ثقة بالنفس، وهو في سن الثمانين وسيبلغ من العمر 86 عامًا في نهاية عهدته المنشودة إذا ما قُدِر له الفوز بالانتخابات، قال في رد ساخرٍ على مجموعة من المعترضين من المؤسسات الإعلامية العملاقة مثل «فوكس نيوز» و«نيويورك تايمز»، وعلى شخصيات إعلامية مؤثرة في الميديا الأمريكية مثل كارلسون تاكر المؤيد لترامب والمفصول من قناة «فوكس نيوز»، على ترشحه إن: «العمل لم ينتهِ بعد بالنسبة إلي، لكنه انتهى بالنسبة لتاكر كارلسون».
ثمة انتقادات كثيرة يسوقها كارلسون تاكر، الإعلامي ذي الشعبية الطاغية في الميديا الأمريكية، حول ممارسات الحزبين الكبيرين اللذين يتناوبان السكن في البيت الأبيض، وهي انتقادات تثير جلبة كبيرة في الساحة الإعلامية الأمريكية، ولعل السجال الدائر اليوم بينه وبين الرئيس جو بايدن هو أكثرها صخبًا في الميديا الأمريكية، فقد اتهم كارلسون تاكر الطبقة السياسية، والتي تتمثل في الحزبين الكبيرين بالتكتم على القضايا المتعلقة بمستقبل البلاد وبأنهما يزيفان الحقائق للمواطن الأمريكي، وبأنهما يوجهان اهتمامهما «لمناقشة قضايا لا معنى لها، بدلاً من مناقشة القضايا التي تحدد المستقبل مثل الحرب، واتجاهات المناخ وسلطة الشركات الكبيرة...». أليس في ذلك طعن للديمقراطية الأمريكية؟ أمن الديمقراطية أن تخفي الحقائق عن شعبك؟ وإذا كان الجواب بنعم، يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: هل أن الديمقراطية تشهد تحولات في التطبيق؟!
هذه جملة من التساؤلات نطرحها حول الديمقراطية الأمريكية. فهذه الديمقراطية تبيح للحزبين المتناوبين على السلطة في أمريكا أن يختلفا ويشتد بينهما الخلاف حول كثير من القضايا الداخلية والخارجية، وليس أدل على ذلك من اختلافهما حول «المثلية» وحول الحرب في أوكرانيا والصين والإجهاض. ولكن لنفترض أن أي قوى سياسية في بلد من بلدان العالم النامي اختلفت خلافًا سياسيًا مع الحكم القائم وتطور هذا الخلاف، وغالبًا ما يحدث ذلك، فإن الحزبين يتفقان وقتها على تجييش الجيوش لمناصرة من تجد الدولة الأمريكية مصلحتها معه ضاربيْن عرض الحائط المبدأ الديمقراطي القاضي بترك الشعوب والجماعات تقرر مصيرها، وليفرضا على تلك الشعوب ديمقراطية XXXL.

