: آخر تحديث

الرسالة التي ألهمت المعري

22
22
20
مواضيع ذات صلة

منطلق «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري كان رسالة وصلت إليه من الشيخ علي بن منصور الأريب الحلبي، والمعروف بابن القارح، الذي ولد في حلب، ليس بعيداً عن المكان الذي ولد فيه المعري، أي معرّة النعمان، التي تعدّ من أعمال حلب، ولم تكن رسالة ابن القارح تحمل عنواناً، فعرفت باسمه، فقيل «رسالة ابن القارح»، وينسب إلى الشيخ عبد الله العلايلي قوله إن ابن القارح ليس الاسم الحقيقي لعلي بن منصور ولكنه لقب أطلقه عليه المعري.

حفلت رسالة ابن القارح إلى المعري بعدّة شكاوى: «من أهل عصره، ومن وزراء وسلاطين زمانه، ومن هرمه وشيبه، ومن نسيان محفوظاته، ومن سنوات الشباب التي قضاها في مصر في اتباع هوى نفسه، ومن الهموم والأحزان، ومن فقد أصحابه في حلب».

لم يكتب لرسالة ابن القارح الشهرة التي نالتها «رسالة الغفران»، وليس في هذا ما يدعو للدهشة، فشتّان في المحتوى والأسلوب بين الرسالتين، بل إن رسالة ابن القارح ما كانت ستعرف لو لم يجعل منها المعري منطلقاً ل«رسالة الغفران»، التي استهلها المعري بذكر الأثر الطيب لرسالة ابن القارح في نفسه، قبل أن يطلق العنان لمخيلته جاعلاً من ابن القارح نفسه بطلاً لرحلة خيالية أدبية عجيبة يحاور فيها الأدباء والشعراء واللغويين في العالم الآخر، حتى بلوغه للسماء ودخوله الجنة، التي أسهب في وصف مباهجها، مستوحياً ذلك من آيات من القرآن الكريم، ومطعماً إياه بأشعار بليغة.


وقد يخطر على البال سؤال: أكان المعري سيكتب «رسالة الغفران» لولا رسالة ابن القارح إليه، وقد يكون الجواب أن الإبداع لا يحتاج إلا إلى ما يقدح شرارته، وهذا ما فعلته رسالة ابن القارح في نفس المعري، حين ألهمته بكتابة ما كان ناضجاً في عقله ونفسه من أفكار متوثبة للانطلاق.

في كتاب قيّم صدر قبل نحو ربع قرن لباحثين من تونس، هما عبدالوهاب الرقيق وهند بن صالح، بعنوان «أدبيّة الرحلة في رسالة الغفران»، قال المؤلفان في مقدمته إن المعري كتب الرسالة في غمرة عزلته التي اختارها طوعاً، لا لأنه لا يحب الحياة وإنما لأنه كان يهابها، وأشارا أيضاً إلى أنه لا يمكن دراسة الرسالة بمعزل عن مبادئ كاتبها الفكرية وعالمه الخيالي وتجربته الذاتية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد