ربح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو جولة الانتخابات، وثأر لهزيمته السياسية التي أدت إلى إسقاط حكومته السابقة. لكن ماذا بعد انتصاره؟ وهل يتمكن من تشكيل حكومة متماسكة وتنفيذ وعوده وتهديداته الانتخابية؟
بداية لا بد من التذكير بأن نتنياهو تعهد حال عودته إلى الحكم في إسرائيل بأن يلغي الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية مع لبنان. لقد قاد حملة عنيفه ضد الاتفاق، واعتبره بمثابة خيانة وتنازل عن السيادة الإسرائيلية أمام "حزب الله". ولم يفت نتنياهو أن يصعّد حملته على حكمة يائير لابيد في ما خص الملف الإيراني النووي ومواجهة التسلل الإيراني في سوريا ولبنان، وتهريب الأسلحة المتطورة إلى "حزب الله". لكن يبقى ملف ترسيم الحدود البحرية مع لبنان أهم التهديدات وآخرها، لا سيما أن مسار الترسيم والتفاوض بين لبنان وإسرائيل بواسطة الإدارة الأميركية اتسم بتهديد "حزب الله " بشن هجمات على منصات الاستخراج الإسرائيلية في حقل كاريش جنوب الخط 23 الذي قبل به لبنان وإسرائيل تحت حكومة يائير لابيد.
هذا الملف قد يكون متفجراً إذا ما نفذ نتنياهو تعهداته الانتخابية. قد يكون متفجراً على الأرض لأنه سيدفع ذراع إيران في لبنان إلى إعادة رفع جاهزيتها القتالية والعودة إلى التصعيد بداية بحرب نفسية، وربما لاحقاً إلى تنفيذ تحركات ذات طابع عسكري كتطيير مسيّرات فوق حقل كاريش الذي بدأت منصة شركة "إنيرجين" اليونانية – البريطانية العمل فيه، بما يعيد توتير الوضع على الحدود مع لبنان. لكن ما قد يعرقل تنفيذ نتنياهو تعهداته فسخ الاتفاق، أولاً أن الولايات المتحدة هي الطرف الثالث الضامن للاتفاق، وأي خطوة يقدم عليها نتنياهو لفسخ الاتفاق قد تؤدي إلى نشوب أزمة في العلاقات بين إسرائيل والإدارة الأميركية الحالية التي لا تنظر بعين الرضا إلى عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم. فرغم فقدان الكيمياء بين نتنياهو والرئيس الأميركي جو بايدن، من الصعب على أي رئيس حكومة إسرائيلي أن يصطدم وجهاً لوجه مع مطلق أي إدارة أميركية.
وإذا افترضنا أن التمرد حصل هذه المرة، فإن الأمر سيشكل سابقة في تاريخ العلاقات بين إسرائيل وأميركا. ثم إنه بالإضافة إلى الضمانات الأميركية، يمكن القول إن ثمة طرفاً رابعاً يكمل حلقة الضمانات الدولية، عنينا الطرف الفرنسي الذي فاوض في الإطار العملي عبر قناتي قصر الرئاسة الفرنسي "الإليزيه" وشركة "توتال إنيرجي"، بما يعني أن أوروبا جزء من الاتفاق، لأن إنتاج حقل كاريش ولاحقاً إنتاج حقل قانا (بحسب ما سينتج من الغاز) موجهان شطر المستهلك الأوروبي تعويضاً عن إمدادات الغاز الروسي. إضافة إلى المصلحة الأوروبية، لا نسقط من الحساب مصلحة مصر كمعبر لتوريد الغاز الإسرائيلي، ثم اللبناني إلى أوروبا عبر خط أنابيب مشترك.
وثمة عامل آخر يعترض طريق نتنياهو لفض الاتفاق، ويتمثل في أن حقل كاريش بدأ الإنتاج، والأهم الأهم أن المجتمع الإسرائيلي الذي حمل نتنياهو إلى الحكم مرة جديدة بغالبية تبدو واضحة، لا ينحو صوب الحرب. فالتصويت الإسرائيلي الذي يميل إلى اليمين موجه ضد الفلسطينيين ومشكلة التعايش مع "القنبلة الديموغرافية الفلسطينية"، ولا يمثل بأي حال إجازة لبنيامين نتنياهو للتورط في حرب حول مشكلة ترسيم حدود مع لبنان، مثلت من الناحية العملية اعترافاً غير مباشر من "حزب الله" وبالتالي من إيران بإسرائيل. فتوقيع اتفاقية لترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان بإجازة من ذراع إيران، وبالتحديد "الحرس الثوري"، هو إنجاز لإسرائيل، قد يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل نفسه محاصراً بمواقف من داخل الحكومة متى شكلها، تفضّل تجنب فسخ اتفاق الترسيم باعتبار أنه عموماً أتى لمصلحتها أمنياً وسياسياً واقتصادياً.
بناءً على تقدم، نميل للاعتقاد أن بنيامين نتنياهو قد يصعّد كلامياً في ما يتعلق بالترسيم ويشتت الانتباه عن وعوده الانتخابية.

