: آخر تحديث

ما ورائيّات هبوط الفنون

27
25
23
مواضيع ذات صلة

أليس من الضروري الذهاب إلى بعيد في قضية هبوط الفنون؟ معاذ الله أن يكون القصد بحثاً عن متهم، لإرضاء متعة وجود شخص، مادي أو معنوي، في قفص الاتهام. السؤال الناعم: لماذا يرضى الوسط الفني بإنتاج فنون هابطة؟ السؤال الخشن: ما خطب عشرات ملايين العرب، تقبل هذا التردي، وتُقبل على الأعمال المتردية؟ قد يكون التخلص من الإجابتين سهلاً، بإلقاء اللائمة على المناهج التي لم تحسب حساباً في مراحل التعليم، للتربية الجمالية والتأهيل الذوقي. الفرد الذي يتلقى تربية غذائية متوازنة سليمة، لا يمكن أن يستسيغ القش والأعشاب الضارة. قس على ذلك الشعوب.

الذهاب إلى بعيد ليس لعبة هيّنة: هل كانت هذه الأمور مطروحة في حقبة الأساطين؟ ما لغز الانحدار؟ لماذا يتوارى الكبار ولا يرثهم كبار؟ بعد كل قرون الشعر العربي، لا يوجد اليوم من يكتب بضع كلمات لأغنية فيها ترفّع عن القبح، فيها براءة من الرداءة والبذاءة، فيها غيرة على الذوق العام. أسوأ التعلاّت، التذرّع بأن وسائط التواصل كسرت الحواجز، فلم تعد لأحد أو جهة سلطة أو رقابة. هذا ادّعاء باطل، لا يفسّر اختفاء الكبار النابغين من غير عوض، ولا يبرر غياب منظومة القيم الجمالية الضرورية لمواجهة هذا المرض. 

الغريب هو أن الأوساط الثقافية لا تبدو معنية بإعلان حالة طوارئ أو تأهب قصوى إزاء «أدغال الهبوط الفني التي تغزو الحديقة»، بتعبير السيد جوزيب بوريل. مع الفارق، فحديقة الفنون العربية كانت أيام كان لنا فنانون كبار. في هذا المضمار الجوزيبي البوريلي، على من ظل من كبار البستانيين أن يدافعوا عن الحديقة، وأن يدركوا أن جدران الرقابة ليست الحل المثالي لصدّ الهبوط والحيلولة دون هجمات الهابطين.
 الحلول المثلى تكمن في تضافر جهود متعددة: معاهد فنون جميلة ومدارس عليا للموسيقى، تعمل على تخريج كفاءات عالية واكتشاف مواهب واعدة، ومراكز دراسات نغمية وتحقيقات موسيقولوجية، تعكف على التطوير المدروس في الحقول المعنية، وأوساط ثقافية لا تضع حواجز بين الفنون، فسقوط الموسيقى تسري عدواه إلى كل فن، وهكذا أي هبوط يصيب كل مكونات الثقافة. أمّا أنظمة التعليم، فيجب أن تكون التربية الجمالية في صميم مناهجها.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: الذوق منظومة قيم وخيارات في جميع الميادين، فلا تقل إن هبوط الفنون خلل موضعي عرَضي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد