: آخر تحديث

المغرب المرتاح

5
4
5
مواضيع ذات صلة

ثمة نقاط عدّة يمكن التوقف عندها في خطاب الملك محمّد السادس في مناسبة الذكرى الـ23  لعيد العرش في المغرب. تجمع عبارة واحدة بين بين كلّ هذه النقاط. إنّها عبارة أن المغرب مرتاح مع نفسه على الرغم من كلّ التحديات الداخليّة الناجمة عن التعقيدات العالميّة الناجمة عن حرب أوكرانيا والآثار التي ترتبت على جائحة "كوفيد – 19".
 
لا يخفي العاهل المغربي وجود صعوبات، لكنّه ينظر إلى المستقبل بأمل بعدما اثبتت سنوات طويلة تمتد إلى قرون عدّة أن هناك ترابطاً فريداً من نوعه بين العرش والشعب في المملكة المغربيّة.
 
سمح مثل هذا الترابط الذي يسميه محمّد السادس، عن حقّ، "التلاحم الوثيق، عبر التاريخ، في السراء والضراء" بين الشعب والعرش في الوصول إلى الوضع الراهن الذي يستطيع فيه ملك المغرب مفاتحة شعبه بأنّ لا مفرّ من تأكيد "أن تقدم المغرب يبقى رهيناً بمكانة المرأة، وبمشاركتها الفاعلة، في مختلف مجالات التنمية".
 
المسألة واضحة كلّ الوضوح. يدلّ على ذلك الكلام الصريح الذي وجّهه العاهل المغربي إلى الشعب عن أهمية دور المرأة التي تشكل نصف المجتمع. يكتشف من يزور المغرب أهمّية المرأة العاملة في هذه المملكة وكيف أن النساء يلعبن، بكلّ جدّية، دوراً أساسياً في مساعدة العائلة المغربيّة. المرأة في كلّ مكان. تعمل في كلّ المواقع بدءاً بتولي حقائب وزارية معينة، تعتبر أساسيّة، وصولاً إلى الفنادق والمطاعم والتعليم. بل يمكن القول في أحيان كثيرة أن المرأة المغربيّة تغلبت على الرجل، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بجدّية ممارسة المهنة التي تعمل في مجالها.
 
أين يكمن سرّ المغرب؟ الجواب بكل بساطة في وجود تلك الصراحة في التعاطي بين العرش والشعب. لا يتردد محمّد السادس في كشف أن ذكرى عيد العرش تأتي هذه السنة "في ظروف متقلبة، مطبوعة باستمرار تداعيات كوفيد 19 وانعكاسات التقلبات الدولية، على الاقتصاد الوطني والعالمي. ولن نتمكن من رفع التحديات الداخلية والخارجية، إلا بالجمع بين روح المبادرة ومقومات الصمود، لتوطيد الاستقرار الاجتماعي، والنهوض بوضعية المرأة والأسرة وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني. إن بناء مغرب التقدم والكرامة، الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالاً ونساء، في عملية التنمية".
 
هناك ملك يضع مواطنيه أمام مسؤولياتهم يصارحهم في كلّ ما يجب أن يصارحهم به. هذا ما فعله في الماضي عندما تحدّث عن أهمّية التعليم وضرورة تطوير مستواه وإتقان اللغات الأجنبيّة، إلى جانب العربيّة طبعاً. لا وجود لعقد في المغرب. هذا ما سمح للديبلوماسيّة المغربيّة بتحقيق اختراقات في السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجال تأكيد مغربيّة الصحراء. اعترفت أميركا بمغربيّة الصحراء أواخر العام 2020. سارت إدارة بايدن في الخط نفسه لإدارة دونالد ترامب. تبيّن أن الموقف من مغربيّة الصحراء، وهي قضيّة مفتعلة أصلاً، هو موقف أميركي ثابت بغض النظر عن تغيّر الإدارات. أكثر من ذلك، إنّ تطور الموقف الإسباني من الصحراء كان اختراقاً في غاية الأهمّية، على الصعيد الأوروبي، خصوصا أنّه اعتراف بانّ الحل العملي الوحيد الممكن هو طرح المغرب المتعلّق باللامركزية الموسْعة في إطار الحكم الذاتي.
 
لا يمكن الإستخفاف بالتغيير السياسي ذي الطابع النوعي الذي حصل في إسبانيا. يعود ذلك إلى سببين. أولهما أن اسبانيا كانت الجهة التي تستعمر الصحراء المغربيّة قبل العام 1975  والآخر آن الموقف الإسباني لا يمكن إلّا أن تكون له انعكاسات على الموقف الأوروبي عموماً.
 
نعم المغرب مرتاح. يؤكد أنّه مرتاح الطريقة التي تناول بها الملك محمّد السادس التصعيد الجزائري الذي لم يتوقف يوماً. لم يكتف النظام الجزائري بإغلاق الحدود بين البلدين منذ العام 1994، بل ذهب إلى قطع العلاقات مع المغرب قبل سنة. كيف ردّ العاهل المغربي على التصعيد؟ اعتمد مجددا سياسة اليد الممدودة. تجاوز المغرب دائما كل الإساءات التي مصدرها نظام في هروب دائم من ازماته الداخلية إلى خارج حدوده. من يتذكّر أن المغرب سارع في تشرين الأوّل – أكتوبر 1988  إلى ارسال مساعدات إلى الشعب الجزائري اثر اندلاع الإنتفاضة الشعبيّة وقتذاك، في مواجهة حكم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، انطلاقا من الجزائر العاصمة. رأى المغرب في كلّ وقت أن الإستقرار الجزائري مصلحة مغربيّة.
 
في هذه الأيام، توجه ملك المغرب إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، من دون أن يسمّيه، بقوله: "إننا نتطلع إلى العمل مع الرئاسة الجزائرية، لأن يضع المغرب والجزائر يدا في يد لإقامة علاقات طبيعية بين شعبين شقيقين تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية والمصير المشترك".
 
هذا الردّ المغربي على التصعيد الجزائري المستمر دليل قوّة وليس دليل ضعف من أيّ نوع. إنّه يؤكّد وجود القدرة على بناء سياسة خارجية براغماتية تضع مصلحة المواطن المغربي في أولويّة الأولويات. تستند هذه السياسة، البعيدة عن الشعارات البراقة الفارغة من أي مضمون، إلى معرفة العالم وما يدور فيه في طبيعة الحال وإلى وضع داخلي متين في دولة ذات مؤسسات عريقة قبل أي شيء آخر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد