: آخر تحديث

محمد خليفة: الصراع السيبراني والحرب الإلكترونية

43
16
31

بسبب ما وصلت إليه البشرية من تقدم تكنولوجي لم يسبق له مثيل، فقد أصبحت المساحات متقلصة والمعالم متجاورة والمخاطر والتهديدات واحدة، تتآكل الأعراف والفواصل، فالسيادة كامنة في التكنولوجيا، هذا المارد الكبير، وتلك المركزية في الترسانة المعرفية، أشرسها الحرب الإلكترونية التي سخّرها الإنسان بسبب الأهواء المشتعلة والصراعات الهائجة، الضارية بلا شفقة أو رحمة.

هذا الإنسان المزدوج السارح والمتبعثر في كل اتجاه، يغدو كل ما يفعله من صناعة أسلحة لدفع نفسه إلى القوى غير الواعية، وتمنحه المعنى والفراغ الداخلي إلى الدوغمائية الجامدة والنزعة العدوانية، والتي جعلت الحرب في الواقع الراهن تقوم على النجاح الكبير في السيطرة على الفضاء السيبراني.

فالدولة التي تتمكن من تحقيق تلك السيطرة ترجح كفتها في الصراع؛ لأن كل الأسلحة الحديثة، وحتى السيارات الحديثة ذات الرفاهية المرتفعة تشتمل على مكونات إلكترونية يمكن التحكم بها وتوجيهها لمصلحة الطرف الأقوى. وقد صرح وزير الدفاع البريطاني الأسبوع الماضي، أن «الهجمات السيبرانية على المؤسسات البريطانية كبّدتنا خسائر بالمليارات، وأنّ زمن السلام المستقر انتهى»، مشيراً إلى أن «وزارة الدفاع البريطانية أنفقت 31 مليون جنيه لتحديث وتطوير القدرات السيبرانية والنووية العسكرية».

وقد جاءت هذه المواقف البريطانية بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا عن وجود تكافؤ بين روسيا وحلف شمال الأطلسي في إدارة الصراع السيبراني، الأمر الذي أدى إلى تأخر حسم الحرب واستمرار القتال، ما دفع الطرفين إلى التركيز أكثر على العمليات البرية، من أجل التقدم على الأرض بمختلف أنواع الأسلحة، ولا سيما سلاح الدبابات وراجمات الصواريخ.

وقد ذكرت مجلة «بوليتيكو» الأمريكية أنه شارك أكثر من ألف متخصص في أمن الإنترنت من أعضاء الناتو وحلفائه في جميع أنحاء العالم، في تدريب، في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، وذلك في العاصمة الأستونية، (تالين)، لاختبار وتعزيز دفاعات الحلف الإلكترونية، نظراً لأن سيناريو الحرب الإلكترونية الشاملة بات واقعياً ل«الناتو» منذ انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

وتعتمد الحرب الإلكترونية على استخدام أجهزة تتمكن من مراقبة أهداف العدو على مدار الساعة، وتُستخدم في ذلك، موجات الراديو، والموجات الكهرومغناطيسية، والأشعة الحمراء، ووسائل الرؤية الرقمية، والأشعة فوق البنفسجية، وتقنيات الليزر، من أجل تعميته وحرمانه من استخدام أسلحته الدفاعية. وتتمثل أهداف الحرب الإلكترونية في القضاء على العدو دون استخدام أسلحة مدمرة، حيث تقوم وحدات الهجوم الإلكتروني ببث موجات مركزة ضد الرادارات ووسائل الاتصال، لشل القدرة على تحديد الأهداف بدقة. كما تعمل على كشف ومكافحة وسائل التشويش المعادية التي تستهدف الرادارات الخاصة بها. وتقوم بتتبع مصادر التشويش المعادية وتحديد موقعها حتى يتم استهدافها في الوقت المناسب.

ويتجلى استخدام الحرب الإلكترونية على نطاق واسع في قطاع الطيران الحربي؛ حيث إن الطائرات تقوم بطلعات هجومية على أهداف في أرض الخصم، ومن ثم تقوم بضرب تلك الأهداف المحددة، متخطية الدفاعات الجوية للخصم التي تحول بينها وبين تلك الأهداف، وبالتالي يجب أن تكون تلك الطائرات محمية بشكل كامل من التقاط إشاراتها من قبل رادارات الدفاع الجوي التي تترصدها، وقد عمدت الشركات المصنّعة إلى إضافة نظام الهجوم الإلكتروني المحمول جواً لمقاتلات البحرية الأمريكية. ويعمل هذا النظام على ضمان وصول الطائرات الضاربة إلى أهدافها والعودة إلى قواعدها بأمان. حيث يوفر ذلك النظام تحذيرات رادارية كاملة الطيف وتحديد التهديدات وإمكانات متقدمة للتدابير المضادة، ونظام الإجراءات المضادة للترددات الراديوية، بالإضافة إلى توفير الأنظمة الضوئية القائمة على الليزر، والتي تكشف عن تهديدات الأشعة تحت الحمراء، وتحمي الطائرات المقاتلة من التهديدات الصاروخية المتقدمة.

إن الإغراق في أساليب التخفي عن رادارات العدو سيجعل الحرب الإلكترونية أكثر تعقيداً، وسيكون من الصعب التعامل معها إلا للدول ذات الإمكانيات الاقتصادية والعلمية المتطورة، وقد تسير الدول الكبرى المتصارعة في خط بياني صاعد إلى اللحظة التي يتم بها إنتاج صحن فضائي طائر له نفس مواصفات الصحن الفضائي المتخيّل في عالم السينما من حيث السرعة الخاطفة والقدرة اللامحدودة على التخفي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد