: آخر تحديث

المواجهات الحادة

9
10
10
مواضيع ذات صلة

تتعدد أشكال المواجهات في بيئة العمل، فمنها الناعمة، والحادة، ومنها ما هو مزيج بين الاثنتين. ما يهمني هو «المواجهات الحادة» التي عادة ما تقف وراء «تطفيش» أعداد كبيرة من الكفاءات، ويلجأ إليها عادة في المرحلة الأخيرة من المواجهات بين جهة العمل والموظف أو المدير غير المرغوب به. هذا الموظف المتفاني، لا يبدو أن جهده قد أثمر في هذا البيئة الطاردة، فيجد محاولاته التكيف مع واقعه قد باءت بالفشل، وذلك بعد أن اشتدت حمى المواجهة.

ولأن الكفاءات، تعرف كيف تلتزم بالإطار المهني وبقواعد اللعبة، فإن اصطيادها في الماء العكر ليس بالأمر اليسير. ولذلك تبقى أمام من قرر المواجهة خيارات محدودة. منها مثلاً، أن يقرر تسفيه كل ما يأتيه من ذلك المتفاني، بتجاهل اقتراحاته، واجتهاداته، وتنبيهاته، وكأنه غير موجود. وإذا ما قرر رفع سقف الإصرار أو المتابعة، قد يجد التسفيه في انتظاره، مهما كانت آراؤه وجيهة. وذلك لأن قرار المواجهة الحادة والتطفيش قد صدر، وهي مسألة وقت لدفع المقصود نحو الاستقالة طواعية.

بعض جهات العمل، تقرر التصعيد، من خلال سحب الصلاحيات المالية والإدارية أو تقليصها تدريجياً. فالدارج أن يفاجأ الشخص المعني، بأن الإدارة العليا قد بدأت في سحب بعض الصلاحيات على نحو «تصعيدي»، حتى يكتشف أنه قد شلت يده ولم يعد لديه المقدرة على تقديم أي شيء، خصوصاً حينما تسحب صلاحيات كانت في صميم عمله. من ذلك مثلاً، عدم مقدرته على توقيع أي شيك كان في حدود صلاحياته، وكذلك الحال في التوظيف، والترقيات، والقرارات وغيرها. فيدخل في دوامة التجميد.

البعض قد لا يكترث بالتجميد، لكن الكفاءات تزعجها كثيراً فكرة التجميد لأنها إهانة بالغة لقدراتها وتفانيها طوال السنوات الماضية. وهو ما يعتبرونه تهميشاً مؤلماً لقدراتهم. وقد يجد بعض الموظفين في القطاع العام أو الخاص في التجميد فرصة للهروب من العمل وعدم الاكتراث بيومياته، غير أن الكفاءة تعد ذلك إساءة بالغة لها فيسارعون إلى تقديم الاستقالة أو النقل.

من المواجهات الحادة، تعمد تأخير الترقيات، والزيادات في الراتب، كنوع من تضييق الخناق على الفرد. فأسوأ شعور ألا يرى المرء مساره المهني ممهداً له. وكم من شخص ودّع وظيفته وفي حَلقِهِ غصة، لأنه كان يجري وراء سراب الترقية.

مشكلة البعض أنهم لا يدركون إشارات «المواجهات الحادة» ويفسرونها بحسن نية، وينسون أننا في مجتمع لا يحبذ السواد الأعظم منه المواجهة الفردية، كأن يلقي باللائمة على الوكيل أو الوزير أو الإدارة العليا أو مجلس الإدارة ليخرج بشكل وديع أمام محاولات تضييق الخناق عليه. وكم من شخص تم دفعه نحو الاستقالة، ثم اكتشف لاحقاً من مصدر موثوق أن من كان وراء حرب استبعاده، هو المسؤول نفسه الذي تظاهر بدور الوديع.

من سنن الحياة والعمل أن تعترض المرء منغصات من أبرزها، شن الموظفين حرباً عليه، ليس لسبب سوى أنهم قد شعروا بالغيرة من كفاءته ونزاهته وجده واجتهاده.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد