: آخر تحديث

تونس.. صراع حزبي حول ضريح بورقيبة

10
10
7
مواضيع ذات صلة

 الحبيب الأسود

   في السابع والعشرين من يناير الجاري، سيعلن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد عن مشروعه السياسي الجديد من مدينة المنستير الساحلية، وتحديدا من أمام ضريح الزعيم التاريخي للبلاد والرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. وفي أوائل مارس القادم ستشهد المدينة ذاتها المؤتمر الانتخابي لحزب نداء تونس الذي كان مؤسسه، الرئيس الباجي قائد السبسي، وقد أعلن إطلاقه في 24 مارس 2012 من أمام ضريح بورقيبة كذلك، وقال آنذاك إن هدفه الأساس هو إحداث التوازن السياسي مع حزب حركة النهضة بعد فوزه في انتخابات أكتوبر 2011، وكذلك التمسك بالإرث البورقيبي المتمثل بالخصوص في قيم المدنية والحداثة وتحرير المرأة، ليحقق النداء فوزا كبيرا في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية، وليصل قائد السبسي إلى كرسي بورقيبة في القصر الرئاسي بقرطاج مدعوما بأصوات مليون سيدة تونسية.

ولكن ما هي إلا أسابيع، حتى تبينت خيوط التحالف بين نداء تونس وحزب حركة النهضة الإخواني، وتأكد للمراقبين أن تلك الخيوط نُسجت في اجتماع باريس في صيف 2013 بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، وأن الإخوان قدموا لزعيم النداء هدية تمثلت في انقلابهم على مشروعين كانا معروضين على المجلس التأسيسي يتمثلان في قانون العزل السياسي وتحديد السن القصوى للترشح لرئاسة البلاد بـ75 عاما، على أن يستمر التحالف بين الحزبين لسنوات طويلة، وهو ما جعل الباجي يدفع إلى صدارة الحزب بنجله حافظ الذي بات ينادى عليه لدى الإسلاميين بالسيد الرئيس، ثم تم تقديمه لنيل مباركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والشيخ تميم أمير قطر، بينما كانت المياه تجري من تحت قدميه لتوفر له فرصة الانزلاق المبكر، فالإخوان لا يريدون للحزب الذي قيل إنه يحمل فكر بورقيبة، أن يستمر قويا، وإنما سعوا إلى اختراقه من الداخل ما تسبب في تشققه وتصدعه وانهيار الجانب الأكبر من بنيانه.

ومنذ عام 2015 بدأ حزب نداء تونس يخسر قواعده وخاصة من المثقفين الحداثيين ومن النساء والشباب، وفقد العشرات من كوادره البارزة، وتراجع حضوره تحت قبة البرلمان من خلال استقالة عدد من نوابه، ليترك الصدارة لحركة النهضة، وفي العام 2016 جيء من الصف الثاني أو الثالث للحزب بالشاب يوسف الشاهد ليكون رئيسا للحكومة بدلا عن الحبيب الصيد، وذلك باقتراح وإصرار من الرئيس قائد السبسي الذي يبدو أنه كان يعمل على التحكم في مقاليد السلطة التنفيذية بقدرة أكبر على التحرك مما خولها له الدستور، أو كان يعتقد أن قصر القصبة سيكون تابعا لقصر قرطاج، ولكن الرياح جاءت بعكس ذلك، فرئيس الحكومة الشاب قرر أن يتمرد على صاحب الفضل عليه، ووجد في ذلك دعما كبيرا من حركة النهضة التي لم يعد لدى الباجي قائد السبسي ما يقدمه لها، ويدرك قادتها أن مشروعهم لتخريب نداء تونس من الداخل قد نجح، وبالتالي فهم يحتاجون إلى وجه جديد يدخلون معه، أو به، مغامرة انتخابات العام 2019.

خسر نداء تونس الجانب الأكبر من قواعده الشعبية، وعندما تسأل أغلب المستقيلين عن السبب، سيجيبونك بأن التحالف مع حركة النهضة أول الأسباب، ثم إصرار الرئيس قائد السبسي على الدفع بنجله حافظ إلى الصدارة، وكأن الحزب قد تحول إلى شركة عائلية، وهو ما أكده كذلك يوسف الشاهد الذي بلغ الخلاف بينه وبين نجل الرئيس حد التراشق بأقذع العبارات وأبشع الاتهامات.

اليوم، يستعد يوسف الشاهد لإشهار حزبه الجديد الذي سيكون وفق تعبير المقربين منه، بورقيبيّا حداثيا تقدميا، وعبر 24 محافظة تونسية تنعقد الاجتماعات الماراثونية لاستقطاب الدستوريين في إشارة إلى أنصار الحزب الحر الدستوري الذي أنشأه بورقيبة في مارس 1934، وقاد من خلاله معركة التحرير الوطني ثم معركة بناء دولة الاستقلال، وهو الحزب ذاته الذي حمل اسم التجمع الدستوري الديمقراطي في عهد نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي قبل أن يعلن عن حله بقرار قضائي في مارس 2011، كما أنه الحزب ذاته الذي يحاول الجميع التبرؤ منه علنا، بينما يحاولون سرا الاستحواذ على أنصاره وماكينته الانتخابية التي لا تزال إلى اليوم قادرة على صنع الفارق، وكان لها الدور الأبرز في نجاح نداء تونس في انتخابات 2014.

وعندما يقول هذا الحزب أو ذاك إنه يعمل على استقطاب الدستوريين، فهو يعني التجمعيين بالأساس، لأن أغلب من واكبوا مرحلة الحزب البورقيبي الأول قد فارقوا الحياة، أو لم تعد لديهم القدرة على الحراك السياسي باستثناء بعض المئات ممن تتوزع ولاءاتهم على عدد من الأحزاب، علما وأن الحزب الدستوري لم يكن حزبا عقائديا قادرا على تفريخ المؤمنين بفكره السياسي، وإنما كان مركز قوته في الفكر السياسي الذي أنتجته تجربة الزعيم الحبيب بورقيبة، ولم يخرج عنه مسار الدولة في عهد زين العابدين بن علي.

وقوة المنهج البورقيبي أنه أضحى رديفا لمدنية وحداثة الدولة في وجه المدّ الإسلامي الإخواني، وخاصة منذ الإطاحة بالنظام السابق قبل ثماني سنوات، ولذلك يتبناه الباحثون عن الأصوات الانتخابية، وكل من يبحث عن مكان له في الخارطة السياسية، وكما تبناه نداء تونس منذ سبع سنوات، يتبناه حزب يوسف الشاهد الجديد، وكذلك الحزبان الشريكان في الحكومة إلى جانب النداء والنهضة وهما مشروع تونس والمبادرة، إضافة إلى أحزاب أخرى من بينها الحزب الأكثر راديكالية في مواقفه المناوئة للإسلام السياسي وهو الحزب الدستوري الحر بزعامة عبير موسي.

وبالعودة على البدء، فإن ساحة ضريح بورقيبة في المنستير ستتحول خلال الفترة القادمة إلى مسرح للتنافس الانتخابي، وأقسى وأشرس تلك المعارك هي التي ستدور بين حزب قائد السبسي، وحزب الشاهد، المنحدرين من نفس الفكر والمرجعية والرؤية والتوجه والحاملين لنفس الأهداف والشعارات، ولا يختلفان تقريبا إلا في أن نداء تونس كان حليفا للإخوان قبل أن يقطع معهم، بينما الحزب الثاني دخل قبل تأسيسه مع النهضة في تحالف لن يستمر طويلا وفق جميع المعطيات.

ولو نظرنا بقليل من الهدوء إلى الموضوع لأدركنا أن الخلاف بين هذين الحزبين، والتنافس بينهما، سيدفع نحو تشتيت الناخبين الذين حسموا مواجهة 2014 بما يخدم مصلحة الإسلاميين في انتخابات 2019، بينما تكفي إشارة من الباجي قائد السبسي لإعادة المياه إلى مجاريها، لو قرر الدفع بيوسف الشاهد إلى قيادة نداء تونس، وإبعاد نجله حافظ عن المشهد ولو وقتيا، ليس فقط من أجل نداء تونس، ولكن من أجل تونس، ومن أجل إرث بورقيبة الذي يعتبر نفسه مؤتمنا عليه، ومن أجل قطع الطريق أمام المستفيدين من تشتت العائلة الحداثية المدنية التي تعتبر الحبيب بورقيبة أبا روحيا لها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد