صبري عبد الحفيظ من القاهرة: بعد اختفائه لعدة أعوام، وبعد صمت دام لنحو سنة، خرج زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي في تسجيل صوتي، يدعو أنصاره إلى عدم الاستسلام، والاستمرار في ما سماه "جهاد عدوهم". وقال خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية، إن رسالة البغدادي تشير إلى أن التنظيم في حالة احتضار، لاسيما أنه جاء بعد أن أصدر التنظيم مقطع فيديو مؤخرًا يحث فيه أنصاره على الاستمرار في القتال بالعراق.
وبعد تعرض التنظيم لهزائم متتالية وفقدانه غالبية الأراضي والعناصر في سوريا والعراق، أصدر زعيم تنظيم "داعش"، أبو بكر البغدادي تسجيلًا صوتيًا دعا فيه أنصاره إلى عدم الاستسلام.
وقال في التسجيل الذي نشرته حسابات موالية للتنظيم على تطبيق تلغرام، إن "ميزان النصر أو الهزيمة عند المجاهدين ليس مرهوناً بمدينة أو بلدة سلبت (...) ومتى تخلوا عن دينهم وصبرهم وجهاد عدوهم ويقينهم بوعد خالقهم هزموا وذلوا".
وهاجم البغدادي أميركا وروسيا قائلا: "ما إن أفشل المجاهدون بتوفيق الله ومنه ما كانت تحلم به أميركا من السيطرة وبسط النفوذ، حتى أقبلت روسيا الصليبية تزاحمها في المنطقة وتنكد عليها استفرادها بها".
وتوعد البغدادي الدولتين، وقال: "ونحن في دولة الإسلام قد أعددنا لكم يا حماة الصليب وقتلى أهل السنة على أرض الشام وكل مكان ما سينسيكم بإذن الله أهوال العراق وخراسان".
ووفقًا لخبراء في شؤون الجماعات الإسلامية، فإن التسجيل الذي أصدره البغدادي يؤشر على أن تنظيم داعش في حالة احتضار.
وقال نبيل نعيم، الخبير في شؤون الجماعات "الجهادية"، إن "داعش" يعاني الآن من الهزيمة الثقيلة التي لحقت به، مشيرًا إلى أن التنظيم فقد غالبية الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، فضلًا عن هزائمه في سيناء ومختلف دول العالم.
وأضاف لـ"إيلاف" أن الهزيمة الأكبر للتنظيم هي فقدانه العناصر التي انضمت إليه، وعدم قدرته على تجنيد آخرين، لاسيما أنه فقد كل أدواته الإعلامية المؤثرة ومصادر التمويل التي كانت تأتيه من دول أو جهات خارجية، فضلًا عن فقدانه الأراضي التي كانت غنية بالنفط والثروات الطبيعية، منوهًا بأن التسجيل المنسوب إلى البغدادي يسعى من خلاله إلى تجنيد عناصر جديدة والحفاظ على ما بقي من قيادات التنظيم المختبئين في الجحور حاليًا.
وحسب وجهة نظر اللواء محمد مصطفى، الخبير الأمني، فإن البغدادي لم يظهر للعلن سوى مرة واحدة، وأصدر تسجيلين صوتيين، مشيرًا إلى أن ظهوره في التسجيل الجديد المنسوب له، يؤكد أن التنظيم يعاني من التصدع، وأن البغدادي شخصيًا صار محاصرًا ولم يعد له مكان آمن، ويسعى إلى طلب المساعدة من أنصاره.
وأضاف لـ"إيلاف" أن التسجيل الصوتي ربما يحمل شفرات سرية لأنصاره لشن هجمات جديدة في دول حول العالم، متوقعًا أن أجهزة الاستخبارات تعمل على تحليل ما ورد في التسجيل، لاستخلاص المعلومات منه حول الحالة النفسية للبغدادي والمكان المتوقع وجوده فيه، والرسائل التي يحملها إلى أنصاره.
ولفت إلى أن التسجيل يحمل في طياته مؤشرات على أن تنظيم "داعش" تهاوى تمامًا، ولم يعد لديه تأثير كما كان خلال الأعوام الماضية، بل إنّ أنصاره وزعيمه يعانون من الحصار وعدم القدرة على الحركة، ما يتطلب سرعة الإجهاز عليهم وإلقاء القبض على البغدادي وتقديمه للمحاكمة.
ونشر التنظيم مقطع فيديو في بداية شهر أغسطس الجاري، تحت عنوان "أسياف الجهاد" هاجم فيه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة والحكومة العراقية، وتوعَّد خلاله القوات الأمنية العراقية بالمزيد من التفجيرات، ودعا خلاله "أهل السنة" للانضمام إلى صفوفه.
وقال مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية في تقرير تحليلي للفيديو، إن التنظيم الإرهابي "يسعى إلى تحويل الحرب الدائرة ضده إلى حرب أهلية طائفية بين السنة والشيعة بعد هزيمته على أيدي الجيش العراقي والقوات العشائرية نهاية العام الماضي".
وكان تنظيم "داعش" قد نشر إصدارًا مرئيًّا جديدًا، يحمل عنوان "أسياف الجهاد" أطلقه ما يُعرف بـ "المكتب الإعلامي لشمال بغداد"، تناول التنظيم خلاله عمليات القتل، والحرق، والذبح، والتفجير وتدمير المنازل التي قامت بها عناصر التنظيم للسيطرة داخل مناطق شمال بغداد.
وقال المرصد: إن التنظيم عمل خلال 18 دقيقة و48 ثانية -هي مدة الإصدار المرئي- على استعراض جرائم القتل، والذبح وتدمير المنازل، التي نفذها في بغداد ضد المدنيين والعسكريين من قادة الأجهزة الأمنية العراقية وميليشيا الحشد الشعبي، زاعمًا أنها لمحاربة المرتدين وأهل الكفر ونصرةً لأهل السنة، الأمر الذي يؤشر على أن التنظيم قد فقد حاضنته المجتمعية ويسعى إلى استعادتها عبر عمليات يدعي أنها لنصرة أهل السنة ومحاربة المرتدين.
واستشهد الإصدار بحديث مصور لنائب رئيس ميلشيا الحشد الشعبي، "أبو مهدي المهندس"، وهو يتحدث فيه عن أن الوضع الأمني والعسكري في العراق ما زال حرجًا، نتيجة لوجود ما يقدر بحوالي 20 ألف مسلح داعشي في العراق، من بينهم 200 مسلح في محيط بغداد يعملون على شن الهجمات وتفجير التجمعات.
وعلَّق "أبو حسن المهاجر" المتحدث الرسمي بإسم داعش على هذه التصريحات، مشددًا على أن التنظيم "ماضٍ في إنفاذ وعيده بأعدائه، وإعمال سيف الحق على رقاب الرافضة وصحوات الردة من العشائر" في إشارة لاستمرار التنظيم في عملياته العسكرية ضد ميليشيا الحشد الشعبي والقوات الحكومية والعشائر السنية المتحالفة مع الحكومة العراقية، على حدّ قوله.
وأضاف المرصد أن التنظيم يعمل خلال الإصدار على تصوير عملياته الإرهابية على أنها دفاع عن "أهل السنة" الذين يتعرضون لانتهاكات من مسلحي "الحشد الشعبي"، حيث زعم المهاجر بأن قوات الأمن العراقية ومسلحي الحشد "استخدموا أرذل الأساليب في تشويه صورة المجاهدين وحرابتِهم فآل بهم الأمر بأن يدسوا المتفجرات للعزل من عوام أهل السنة، وتفجيرهم عن بعد بحجة أنهم انغماسيون"، ولتأجيج مشاعر النخوة والحمية يدعي المهاجر أن القوات العراقية قامت "بتفجير إحدى نساء المسلمين؛ للترويج زورًا أنها استشهادية"، وتوعد بأن هذه العمليات سوف "تكون وبالًا عليهم؛ القوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي".
كما استعرض الإصدار مشاهد "ذبح" لعناصر من ميليشيا الحشد الشعبي والشرطة العراقية والمتعاونين معهم من المواطنين في منطقتي الدجيل والشاهد، وعمل التنظيم خلال عملية القتل على دفع ضحاياه لتحذير أفراد القوات الأمنية والعسكرية والمتعاونين معهم بأن مصيرهم سوف يكون القتل.
وأشار المرصد إلى أن التنظيم الإرهابي، بعد توجيهه رسالة لأعدائه وإظهار معركة التنظيم ضد القوات العراقية والحشد الشعبي على أنها حرب ضد أهل السنة؛ عمل خلال الإصدار على استمالة مناصرين له من أهل السنة، حيث أعاد بث مقتطفات من رسالة صوتية سابقة لأبي مصعب الزرقاوي حثَّ خلالها أهل السنة على اللحاق بركب من أسماهم "المجاهدين".
ويوضح الإصدار قيام عناصر التنظيم بتفجير منازل ضباط الجيش والشرطة العراقية، حيث ادعى التنظيم تفجير منزل النقيب بالجيش العراقي "سعد محمد إبراهيم المشهداني"، وكذلك منزل الملازم في قوات الأمن العراقية "نبيل محمد أحمد طه المشهداني"، ولكي يعمل التنظيم على جذب مناصرين جددا، ادعى أحد أفراده بعد تفجير أحد المنازل أنهم لم يقوموا بتفجير المنزل المجاور؛ لأن "هذا بيت من بيوت المسلمين والله ما به شيء، أما بيت المرتد شوف صار ترابا".
وأوضح المرصد أن الإصدار يوضح استراتيجية التنظيم الإرهابي في قتال القوات الأمنية العراقية، حيث يعمل التنظيم على إنهاك القوات من خلال العبوات الناسفة التي يزرعها على الطرقات، والتي بحسب متحدثه الرسمي: "كانت ولا تزال الأكثر إيلامًا بهم".
وأضاف المرصد أن هذا الاستراتيجية "تبيِّن أن التنظيم الإرهابي يعاني من نقص كبير في الأعداد والتسليح والتمويل، الأمر الذي يدفعه إلى استخدام التفجيرات، إلى جانب استغاثته بمن أسماهم "أهل السنة" لكي يعمل على تجنيدهم واستعادة شبح الحرب الأهلية".


