اشتدّت الأزمة بين نقابة الصحافيين التونسيين ووزارة الداخلية، ويبدو أنّ الانتهاكات التي تعرّض لها صحافيون مؤخرًا لن تنتهي بـ"يوم الغضب" الذي أعلن الجمعة الماضي، فالتصعيد مازال واردًا.
مجدي الورفلي من تونس: أطلقت نقابة الصحافيين في تونس صيحة فزع بعد تصاعد وتيرة إعتداءات الشرطة على الصحافيين وتهديدهم على مواقع التواصل الإجتماعي، في إطار "سياسة ممنهجة من طرف وزارة الداخلية لضرب العمل الصحفي ومنه حرية التعبير والإعلام الذي يُعتبر المكسب الوحيد تقريبا في تونس منذ سقوط نظام بن علي في 14 يناير 2011"، فيما تنفي وزارة الداخلية كل تلك الإتهامات وتؤكد انها في علاقة تعاون مع الصحافيين.
وبالتوازي، حذرت عديد الأحزاب والمنظمات الحقوقية والهياكل المهنية الصحفية في تونس، من تتالي مؤشرات العودة بحرية التعبير الى مربع ما قبل سقوط نظام بن علي المعروف بقمعه للصحافيين، وإستنكرت الإعتداءات على الصحافيين التي تزامنت مع حملة إعتقالات واسعة طالت محتجين على الزيادات في الأسعار خلال يناير الماضي، تجاوزت 1200 شخص وفق ما أعلنه وزير الداخلية لطفي براهم بداية الأسبوع في البرلمان.
يوم غضب
كردّ على تصاعد الإعتداءات عليهم، دخل الصحافيون بدعوة من نقابتهم، ومساندة من جمعية مديري الصحف ونقابة الإعلام، أول أمس الجمعة في "يوم غضب" من خلال تنفيذ وقفة إحتجاجية امام مقرّ النقابة بالعاصمة حضرها سياسيون وحقوقيون تعبيراً عن مساندتهم ودفاعاتهم لحرية الإعلام، فيما شهدت مراكز المحافظات عديد الوقفات الإحتجاجية المتزامنة للصحافيين القاطنين او العاملين خارج تونس الكبرى، (تضمّ محافظات تونس ومنوبة وبن عروس وأريانة).
كما حمّل الصحافيون خلال "يوم الغضب" شارة حمراء ووقع تخصيص مساحة في عدد من وسائل الإعلام بعنوان "الصحافة التونسية في غضب"، ودعت كذلك نقابة الصحافيين وجامعة مديري الصحف الى مقاطعة انشطة وزارة الداخلية والنقابات الأمنية المتورطة في شنّ حملات ضدّ الصحافيين وتهديدهم والتحريض عليهم.
عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين التونسيين زياد دبّار اعتبر في تصريح لـ"إيلاف" ان حرية الاعلام والتعبير مهددة بصفة جدية وتمثل الإعتداءات الجسدية واللفظية على الصحافيين من طرف رجال الشرطة أهم التهديدات المحدقة بقدرة الإعلام على أداء دوره بمدّ المواطن بالمعلومة.
أكّد ان اشكالية الإعتداءات على الصحافيين لطالما كانت مطروحة ولكن وتيرتها في الفترة الاخيرة تصاعدت لتندلع الازمة الحالية بعد تهديد رجال الشرطة لصحافي ومنعه من تصوير إعتدائهم بالعنف على مشاركين في مظاهرة بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، دعت جمعية لها "شمس" للمثليين نهاية الأسبوع الماضي للتنديد بالإنتهاكات المتكررة وعدم إحترام الحريات الفردية.
مخاوف جدية
عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين في تونس إعتبر ان التخوفات من ضرب حرية التعبير والإعلام ليس مردّه الإعتداءات فحسب، بل سكوت وزارة الداخلية والحكومة على تهديدات نقابيين امنيين للصحافيين والتحريض عليهم كما اشار الى تصريح صادر عن وزير الداخلية بداية الأسبوع تحدّث فيه عن رصد مكالمات هاتفية بين صحافي أجنبي ومحتجين على الزيادة في الأسعار والذي فسّره بعودة التنصّت والرقابة على الصحافيين.
ووفق دبار فستواصل نقابة الصحافيين خلال الايام المقبلة مع نقابة الإعلام وجمعية مديري الصحف، مناقشة تنفيذ أشكال إحتجاجية أخرى على تردي وضع الإعلام والتراجع على مكسب حرية التعبير ، ويمكن اللجوء الى تنفيذ إضراب عام في قطاع الإعلام إذا إقتضى الأمر، وفق تعبيره.
تجدر الإشارة الى ان وزير الداخلية التونسي أرجع إيقاف صحفي أجنبي للتحقيق معه، الى رصد إتصالات له عبر الهاتف مع بعض المحتجين على الزيادة في الاسعار، وهو ما أثار ردود فعل عنيفة بعد ان تُرجم على ان وزارة الداخلية عادت الى مراقبة الصحافيين وإتصالاتهم كما كان الحال خلال حكم بن علي.
يذكر أنّ قطاع الإعلام في تونس شهد خلال حكم حركة النهضة تنفيذ أول إضراب عام في تاريخ البلاد في 17 أكتوبر 2012 بسبب ما اُعتبر حينها توجهات حركة النهضة الإسلامية لضرب الإعلام والسيطرة على العمومي منه، ونفّذ الصحافيون في تونس الإضراب العام الثاني في تاريخ البلاد في 17 سبتمبر 2013 إثر سجن الصحافي زياد الهاني بتهمة الإساءة للقضاء، وكانت حركة النهضة في الحكم خلال تلك الفترة.
لا تعددية دون حرية تعبير
الناطق الرسمي بإسم الجبهة الشعبية المعارضة، تحالف بين أحزاب يسارية وقومية، حمة الهمامي إعتبر في تصريح لـ"إيلاف" خلال يوم الغضب الذي نفّذه الصحافيون في تونس، ان الإعتداءات المسلطة على الصحافيين يجب وضعها في السياق العام للتأكد من انها سياسة ممنهجة وتوجه لضرب اهم مكسب بعد الثورة المتمثل في الحرية السياسية بشكل عام وحرية التعبير والإعلام بشكل خاص.
وقال السياسي التونسي المعارض "نحن غاضبون كذلك بسبب الإعتداءات التي تسلط على الصحافيين وضرب حرية الإعلام...نحن لا نتصور حرية سياسية دون حرية إعلام او تعددية حزبية دون حرية تعبير ولا مقاومة فساد او غيرها من الإشكاليات في تونس دون إعلام حرّ...وستنصدى لهم ولكل وسائل القمع التي يريدون إعادة تونس إليها".
وتُعرف وزارة الداخلية في تونس بكونها الجهاز الاكثر تورطًا في إنتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب خلال حكمي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ويتولى إدارتها حاليًا آمر الحرس الوطني السابق (الدرك) لطفي براهم.
يذكر ان منظمة "هيومن رايتس ووتش" قالت مؤخرًا ان الشرطة عمدت إلى ضرب موقوفين وحرمتهم من حقهم في الاتصال بمحامٍ الذي ينص عليه القانون، أثناء محاولتها اخماد الاحتجاجات الاجتماعية التي اجتاحت معظم أرجاء البلاد في يناير الماضي.
ليست سياسة الوزارة
الناطق باسم وزارة الداخلية خليفة الشيباني إعتبر ان الاتهامات التي طالت وزير الداخلية والوزارة بالعودة لممارسات الإعتداء والتضييق على الصحافيين ومراقبة مكالماتهم، واهية.
أكد الشيباني أنّ وزير الداخلية لطفي براهم لم يتحدّث عن رصد مكالمة هاتفية انما عن رصد جهات أمنية اتصالا مباشرا وحديثا بين صحافي على متن سيارة أجنبية وأحد المحتجين، وهو ما استدعى إيقافه والتحقيق معه لدواعٍ أمنية.
اما بخصوص الإعتداءات على الصحافيين ومنعهم من أداء عملهم، فقد صنّفها الناطق الرسمي بإسم وزارة الداخلية في تصريحات إعلامية بكونها "ليست سياسة ممنهجة تعتمدها الوزارة انما اخطاء فردية لرجال الشرطة لم تنفِ الوزارة يومًا وجودها وتتخذ إجراءات ضدّ مرتكبيها فور ثبوتها"، كما اكد ان وزارة الداخلية "لا تزال منفتحة على الصحافيين ونقابتهم في حال وجدت أي تجاوزات".
الأخطاء واردة
الناطق الرسمي بإسم نقابة موظفي الإدارة العامة لوحدات التدخل مهدي بالشاوش، إعتبر في تصريح لـ"إيلاف" ان الازمة الحاصلة بين نقابة الصحافيين ووزارة الداخلية "لا تخدم مصلحة الأمنيين ولا الصحافيين".
ورأى ان القطاعين يتحسسان طريقهما نحو الإحترافية في ظل نظام ديمقراطي وليد قائلاً: "نحن لدينا مآخذات على تعاطي الاعلام مع بعض الاحداث كما للاعلاميين مآخذات على التعاطى الامني مع الإحتجاجات ومع زملائهم، ولكن كل من القطاعين يسعى لتطوير أدائه وفق ضوابط مهنية وقانونية ويمكن ان تحصل أخطاء".
واشار بالشاوش الى وجود إحتمال بتأويل تصريحات وزير الداخلية بخصوص التنصّت على هواتف الصحافيين، حيث أكد ان وزارة الداخلية لا يمكن ان تقوم بمراقبة إتصالات أي كان دون إذن قضائي وحتى في حال وجود شبهات تنصت من طرف الوزارة فالأجدر التوجه للقضاء وحلّ الإشكالية بالطرق القانونية خاصة مع وجود وسائل فنية يتيحها مشغلو الهواتف الجوالة يمكن من خلالها التثبت من خضوع أي شخص للتنصت من عدمه.
وخلص النقابي الأمني ان المكسب الوحيد الملموس في تونس بعد الثورة يتمثل في حرية التعبير والاعلام، وهو مكسب يجب المحافظة عليه، حيث رأى انه ليس من مصلحة الأمنيين في حدّ ذاتهم التضييق على الاعلام الذي وفّر لهم في وقت من الاوقات فضاءات للتعبير عن رأيهم ومطالبهم وتسليط الضوء على المظالم التي يتعرّضون لها.


